الإعلانات الظاهرة على هذه المنصة تُعرض تلقائياً عبر خدمة Google AdSense، وهي الممول الإعلاني الوحيد لمنصتنا الإلكترونية، ولا تعبّر بالضرورة عن توجهاتنا أو مواقفنا

الافتتاحية

حين كانت مختصرات «تلغرام» تُربك..

محمد صابر

في سياق الذاكرة الصحفية، يعود إلى الواجهة اسمٌ يصعب نسيانه، ليس لأنه كان الأعلى صوتًا، بل لأنه كان الأكثر إزعاجًا للركود. نور الدين بنمنصور، الصحفي الراحل، الذي ارتبط اسمه بركن في جريدة L’Opinion، حمل عنوانًا بسيطًا في شكله، عميقًا في أثره: «تلغرام».

كان نور الدين يملك موهبة نادرة في اقتناص الأخبار الطرية، تلك التي لا تصرخ، لكنها تهمس بما يكفي لإثارة الانتباه. كان يجمع شتاتها، يعيد ترتيبها، ثم ينشرها في مختصرات لاذعة، تعتمد الإيحاء أكثر من التصريح، وتراهن على ذكاء القارئ لا على استهلاكه السريع. لم يكن «تلغرام» ركنًا للفضائح، بل مساحة رمادية بين الخبر والإشارة، بين الواقع وما يُراد له أن يبقى في الظل.

رحل نور الدين سنة 2019 بعد مرض لم ينفع معه علاج، لكنه ترك وراءه حكايات كثيرة، بعضها يُروى همسًا، وبعضها صار جزءًا من الذاكرة المهنية، لجيل كامل. كان الرجل يتنقل على دراجته الهوائية، يرتدي ربطة عنق، ويحرص على أناقته، كأنها موقف، لا مجرد ذوق. صحفي من زمن آخر، يؤمن أن الشكل جزء من المعنى.

ذات يوم، يحكي أحد الزملاء – وهو الراوي هنا لا نور الدين – عن غضب شديد، كان يكنّه للراحل. لم يكن الغضب مهنيًا، بقدر ما كان شخصيًا، وقد حاولنا يومها فهم سببه. قال الرجل إنه كان يستقبل صديقة له، كان ينوي الزواج منها، في فندق عتيق ونظيف بالمدينة القديمة للرباط، بحي “الغزا”. فندق من تلك الفنادق التي تحمل ذاكرة المدينة، غرفه واسعة، تكاد تكون أجنحة صغيرة: بيت نوم، صالون، ونافذة تطل على العالم الخارجي، لا على جدار إسمنتي أصم.

الأمر الذي أثار حفيظة الراوي، لم تكن العلاقة في حد ذاتها، بل ما اعتبره “مرونة” المكان. الفندق كان يستقبل النزيلين، دون طلب عقد زواج، دون ابتزاز، ودون فرض غرفتين بدل واحدة. سعر معقول، وتعامل هادئ، ومكان لا يُلبس الأخلاق عباءة الشرطة. تلك “الميزة”، كما وصفها نور الدين يومًا بسخرية في تلغرافه، كانت في نظره مفارقة تستحق الإشارة.

هنا، تحديدًا، انفجر الغضب. ليس لأن الرجل ارتكب جريمة، بل لأن المكان كان أكثر تسامحًا، مما يحتمل مجتمع يتقن التلصص، ويتقن معه لعب دور الحارس الأخلاقي. هذه التفاصيل الصغيرة، تحولت إلى خبر في «تلغرام». خبر مقتضب، لكن ذيله، كان طويلًا.

لم يمر يوم واحد حتى فوجئ زميل ثالث بإغلاق الفندق. سأل باستغراب، فجاءه الجواب الساخر:
«الأمر نُشر في تلغرام لوبنيون».
نزل القرار من فوق، بسرعة لا تحتمل التأمل، وكأن المدينة، لا تحتمل نافذة واحدة تُفتح دون إذن. تلك الليلة، قيل إن صاحب الفندق، كان يندب حظه، بينما كان نور الدين، كعادته، يبتسم ابتسامة من يعرف أنه لمس عصبًا حساسًا.

نور الدين كان يعشق السخرية، لا باعتبارها تهكمًا فارغًا، بل كأداة تفكيك. كان يلعب على الكلمات كما يلعب طفل بالكرة، يعرف متى يراوغ ومتى يسدد. لم يكن يسعى إلى الإثارة من أجل الإثارة، بل إلى طرح الأسئلة التي لا تُطرح.

ذات مرة، نشر في «تلغرام» خبرًا يقول فيه إن الشرطة القضائية بمدينة المحمدية اعتقلت ثنائيًا في حالة تلبس، حيث كتبها هكذا:
(Flagrant de..lit
وأن المرأة متزوجة. عبارة قصيرة، فرنسية، لكنها كانت كفيلة بإشعال الفضول المهني.

بدافع الفضول – وربما الشك – اتصلنا برئيس الشرطة القضائية آنذاك، نستفسره. جاء الجواب هادئًا وحاسمًا: الخبر لا أساس له من الصحة. أبلغناه بذلك، وقلنا له، بقدر من الدعابة المهنية، إن الأخبار لا تنزل على الصحفيين بالوحي. إلى اليوم، لا نعرف من زوّد نور الدين بذلك المعطى، ولا ما المتعة، التي كان يجدها المصدر، وهو يرى قصته تتحول إلى مادة منشورة.

وهنا يفرض السؤال نفسه، دون اتهام ودون تبرئة:
هل كان ذلك الخبر يصلح للنشر؟
أم أن «تلغرام» كان فضاءً مختلفًا، يسمح باللمح لا بالجزم، وبالإشارة لا بالحكم؟

ربما كان نور الدين، يدرك أنه يسير على حافة رفيعة. وربما كان يؤمن أن الصحافة، حين تخاف من الإزعاج، تفقد روحها. ما نعرفه يقينًا، أنه لم يكن انتهازيًا، ولم يكن تاجر فضائح، بل صحفيًا من زمن كانت فيه الأخطاء، تُرتكب باسم الجرأة، لا باسم “الترند”.

رحم الله نور الدين بنمنصور.
بكل تناقضاته، بكل زلاته، وبكل شجاعته.

ورحم زمنًا كانت فيه L’Opinion مدرسة حقيقية، تخرّجت على يدها أجيال من الصحفيين، تعلموا فيها أن الصحافة ليست فقط نقل الخبر، بل تحمّل تبعاته، وأن الكلمة حين تُكتب بذكاء يمكن أن تُربك الملقَّحين ضد الارتباك، لا لأنها تسعى إلى الفوضى، بل لأنها تنتمي إلى تقليد مهني راسخ لجريدة ظلت يومية وطنية، تحترم عقل القارئ وتثق في وعيه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.