حين لا تغيّر السلطة الإنسان… بل تكشف حقيقته

ضربة قلم
تُستَحضَر المقولة الفرنسية L’homme change avec le pouvoir، كلما راقبنا التحولات، التي تطرأ على بعض الأشخاص فور وصولهم إلى مواقع النفوذ. وغالبًا ما تُفهم هذه العبارة، على أن السلطة تُعيد تشكيل الإنسان، وتُبدّل طباعه، غير أن التجربة الإنسانية، كما يؤكدها التاريخ، توحي بأن الأمر أكثر تعقيدًا من ذلك.
فالسلطة، في جوهرها، لا تصنع إنسانًا جديدًا، بقدر ما ترفع القيود عن إنسان، كان موجودًا أصلًا. هي لا تزرع الصفات بقدر ما تتيح لها الظهور. لذلك، فإن التغير الذي يبدو مفاجئًا، عند البعض ليس بالضرورة انقلابًا في الشخصية، بل انكشافًا، لما كان مخفيًا خلف الخوف أو العجز أو غياب الوسائل.
كثيرًا ما نخلط بين الحياء الحقيقي، والصمت المفروض. نعتقد أن أشخاصًا بعينهم، كانوا متواضعين، متزنين، أو زاهدين في الامتيازات، ثم نصدم حين نراهم، بعد التمكين، يتصرفون بعكس الصورة، التي رسمناها لهم. غير أن هذا التناقض الظاهر يكشف في حالات عديدة، أن ما حسبناه حياءً، لم يكن سوى افتقار إلى آلية التعبير عن الذات، وأن ما بدا تواضعًا، كان في الواقع، نتيجة لغياب السلطة، لا قناعة أخلاقية راسخة.
السلطة هنا تعمل كمرآة مكبّرة، تُضخّم الملامح الكامنة في الشخصية، بدل أن تُنشئها من العدم. فهي تُبرز نزعات السيطرة إن وُجدت، وتُظهر هشاشة القيم حين تكون سطحية، وتحوّل الجراح القديمة، إلى سلوك انتقامي، إذا لم تُعالَج. ولهذا، لا يكون السقوط أخلاقيًا، لحظة الصعود في حد ذاته، بل لحظة اختبار القيم أمام الإغراء والقدرة.
التاريخ بدوره مليء بأمثلة لأشخاص، لم تغيّرهم السلطة، بقدر ما كشفت حقيقتهم. فالبعض ظلّ وفيًا لمبادئه، رغم اتساع هامش القرار بين يديه، بينما اعتبر آخرون النفوذ، فرصة لتصفية الحسابات أو لتعويض شعور قديم بالنقص. والفرق بين الحالتين، لا يكمن في السلطة ذاتها، بل في البنية الأخلاقية التي سبقت الوصول إليها.
من هنا، لا يُقاس الرجال بما يقولونه، وهم بعيدون عن النفوذ، ولا بالصورة التي يرسمونها لأنفسهم في لحظات الضعف، بل يُقاسون بما يفعلونه، حين تُفتح أمامهم الأبواب، وحين يتحوّل، ما كان مستحيلًا بالأمس إلى ممكن اليوم، دون رقيب أو حسيب.
وعليه، ورغم شيوع مقولة L’homme change avec le pouvoir، فإنها تظل غير مكتملة ما لم تُقرأ في ضوء فهم أعمق للطبيعة البشرية؛ فالسلطة، في جوهرها، لا تغيّر الإنسان بقدر ما تكشفه، ولا تخلق الأخلاق ولا تُفسدها، بل تضعها موضع الاختبار لتُظهر إن كانت موجودة أصلًا.




