الإعلانات الظاهرة على هذه المنصة تُعرض تلقائياً عبر خدمة Google AdSense، وهي الممول الإعلاني الوحيد لمنصتنا الإلكترونية، ولا تعبّر بالضرورة عن توجهاتنا أو مواقفنا

فن وثقافة

حين نتكئ على الظلال

م-ص

ثمة أشياء تعيش معنا بصمت، تتنفس في حضورنا ولا تطلب اعترافًا، من بينها الظلال.
الظل ليس مجرد أثرٍ للجسد على الأرض، بل هو شاهد خفيّ على مرورنا، رفيق لا يفارقنا إلا في غياب الضوء، وصديق لا يُكذّب صورنا حتى حين نخدع أنفسنا.

في طفولتنا، كنّا نركض في أزقةٍ غارقة بالشمس، نلاحق ظلالنا كأننا نطارد كائنًا غامضًا يسكن الأرض. وفي شبابنا، صار الظل أكثر التصاقًا بنا، كمرآةٍ تفضح تعبنا من السهر، أو ارتباكنا من الأسئلة التي لا جواب لها. ثم في كهولتنا، يصبح الظل أثقل، أكثر طولًا، كأنه يذكّرنا أن العمر امتدادٌ إلى الغروب لا إلى الشروق.

الظل أيضًا يحمل رمزية اجتماعية: هناك من يعيش في “ظل آخر”، يتوارى خلفه فلا يُرى، وهناك من يُقصى عمدًا إلى “ظل الحياة”، حيث لا سلطة ولا امتياز. غير أن أجمل الظلال هي تلك التي تصنعها الأشجار، تمنحنا فسحة هدوء في ظهيرة حارقة، أو ظلال الأبواب القديمة التي تحفظ ذاكرة البيوت والحواري.

الظل ليس نقصًا من الضوء، بل لغة أخرى للوجود. هو الصمت الذي يرافق الصوت، والعتمة التي تمنح النور قيمته. حين نتأمل ظلالنا، نكتشف أننا لسنا وحدنا: ثمة جزء منّا يعيش على الأرض، مستسلمًا لقوانين الطبيعة، فيما نحاول نحن أن نعلو بأحلامنا إلى السماء.

ربما لهذا أحبّ الشعراء الجلوس في الأماكن المظللة: لأن الظلال تعلّمنا التواضع، وتذكرنا أننا مهما ادّعينا القوة، فنحن في النهاية مجرد كائناتٍ عابرة تترك خلفها خطوطًا رمادية على رصيف الزمن.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.