مجتمع

حين نكبر دون أن ننتبه: تأملات في عبور الزمن

ضربة قلم

حين نكبر، لا يحدث الأمر فجأة كما في الأفلام، حيث نفتح أعيننا ذات صباح وقد غزانا الشيب وداهمنا الانحناء، بل يحدث في تفصيل صغير يمرّ كخدش في الذاكرة. ربما في ارتجافة صوت حين ننادي أحدهم، في لحظة نسهو فيها عن اسم، أو حين نصعد سلماً كان في الماضي لعبتنا المفضلة… ونلهث.

الزمن لا يستأذن. يأتي من خلفنا ويضع ثقله على أكتافنا ببطء. في البداية نعتقد أن الأمر عارض: قلة نوم، توتر، إرهاق. لكن لا، إنها الحياة، تهمس في أذننا: “ها قد بدأت مرحلة النضج الطويل”. نضحك أقل مما كنا، لا لأننا فقدنا روح الدعابة، بل لأن العالم لم يعد مضحكاً، كما كنا نظنه في شبابنا. حتى الأغاني، تلك التي كانت توقظ فينا الحماسة، صارت تُبكينا فجأة، لأن كلماتها تصادف شيئاً منكسرًا فينا، لم نكن نعلم بوجوده.

مع التقدم في العمر، نصبح أكثر وعيًا بالأشياء التي لم نفهمها يومًا: لمَ كانت أمّهاتنا ترددن نفس النصائح؟ لمَ كان الكبار يُكثرون من الصمت؟ ولماذا لم يكونوا ينفعلون كثيرًا حين كنا نثور لأتفه الأمور؟ الآن، نعرف. لأن التجربة لا تعلّمك فقط، بل تجعلك تتوقّف كثيرًا قبل أن تحكم، أو ترد، أو تغضب.

نبدأ في مراقبة ملامحنا أكثر. نلمس وجوهنا ونحن لا لنزيل التجاعيد، بل لنفهمها، كأننا نحاور تلك الخطوط التي تشبه شقوق الجبال: من هنا عبرت صدمة، من هنا خيبة، ومن هنا ربما ضحكة طويلة ذات يوم.

نشيخ، فنتغيّر في اختياراتنا. نشتري كتبًا أكثر من الملابس، ونسعد بالقهوة أكثر من الحفلات، ونفضّل حديثًا هادئًا على صخب المناسبات. نشتاق للذين رحلوا، لا فقط لأنهم غابوا، بل لأنهم حملوا معهم جزءًا من ذاكرتنا، من ماضينا الذي لم نعد نملك أحدًا يشهد عليه سوانا.

ثم يأتي يومٌ نبدأ فيه في التصالح مع فكرة الفقد. لا تعود الخسارة فاجعة، بل جزءًا من القصة. نبدأ في اختصار الكثير: لا نلوم من غاب، ولا نطارد من ابتعد، ولا نُلح في السؤال. نمنح الآخرين حق الرحيل، ونمنح أنفسنا حق النسيان.

وهكذا… نكبر في غفلة، لا لأننا تجاهلنا الزمن، بل لأننا كنا مشغولين بالعيش. وفي خضم العيش، لم ننتبه أننا كنا نراكم المواسم، الذكريات، الخيبات، والحنين. لم ننتبه أننا نكتب فصولًا جديدة من الرواية، لم يعد فيها البطل ذلك المندفع الطموح، بل الحكيم المتأني الذي يعرف أن كل شيء عابر… حتى نحن.

وفي النهاية، لا نخاف الشيخوخة لأننا نخشى الموت، بل لأننا نكتشف أن العمر ليس وحده من يتغير، بل نحن، نحن الذين كنا نظن أننا سنبقى كما نحن إلى الأبد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.