الإعلانات الظاهرة على هذه المنصة تُعرض تلقائياً عبر خدمة Google AdSense، وهي الممول الإعلاني الوحيد لمنصتنا الإلكترونية، ولا تعبّر بالضرورة عن توجهاتنا أو مواقفنا

مجتمع

حين واجه الشرطي أخاه أمام البرلمان… بكت الهراوة قبل أن تنزل

م-ص

يحكي لنا الراوي عن قصة من تسعينيات المغرب، ليست قصة عن شرطي، ولا عن دكتور معطل فقط، بل عن وطنٍ وجد أبناءه، في لحظة واحدة، على طرفي هراوة.

في تلك السنوات، كانت الرباط تعرف احتجاجات متكررة لحاملي الشهادات العليا المعطلين. شباب أفنوا سنوات طويلة في الجامعات، وحصلوا على الدكتوراه، ثم وجدوا أنفسهم، يحملون ملفاتهم بدل أن يحملوا أحلامهم، ويقفون أمام البرلمان، بحثاً عن حقهم في الشغل.

وفي الجهة المقابلة، كان رجال الأمن ينفذون التعليمات. منهم من كان شاباً بالكاد بدأ حياته المهنية، يرتدي زيه الرسمي، ويحمل هراوة، لا يقرر وحده متى تُرفع، ولا أين تنزل.

وسط هذا المشهد، وقعت لحظة، تكاد تختصر حكاية جيل بأكمله.

شاب يرفع هراوته استعداداً لتفريق الوقفة.

يرفع رأسه…

فتقع عيناه على أخيه.

ليس متظاهراً عادياً…

بل أخوه الذي كبر معه في البيت نفسه، وأكل معه من الطبق نفسه، وتقاسما طفولة واحدة، وناما تحت سقف واحد.

أحدهما صار شرطياً.

والآخر صار دكتوراً… لكنه ظل معطلاً.

في تلك الثانية، لم تعد هناك أوامر.

ولم تعد هناك شعارات.

ولم يعد هناك أمن ولا احتجاج.

بقي أخٌ يرى أخاه.

تجمدت اليد التي كانت تمسك بالهراوة.

ولم تسقط الضربة.

وسقطت الدموع.

يُروى أن الاثنين، ذرفا الدموع في اللحظة نفسها.

واحد، لأنه وجد نفسه مطالباً بتنفيذ مهمة أمام أخيه.

والثاني، لأنه رأى أخاه واقفاً في الجهة المقابلة، لا عدواً له، بل منفذاً لما يُطلب منه.

يا لها من لحظة…

لحظة لا تنتصر فيها السياسة، ولا تنهزم فيها السلطة، وإنما ينكسر فيها القلب.

من كان الظالم؟

هل الشرطي الذي جاء لينفذ ما طُلب منه؟

أم الدكتور الذي لم يكن يطالب، إلا بفرصة عمل بعد سنوات من الدراسة؟

ربما لا هذا ولا ذاك.

لأن المأساة الحقيقية، كانت أكبر من الاثنين.

لقد كانا، كل واحد بطريقته، ضحية واقع اجتماعي وسياسي معقد.

الشرطي لم يختر أن يواجه أخاه.

والدكتور لم يختر أن يقضي أجمل سنوات عمره، في الاعتصامات بدل المختبرات والمدرجات.

أحدهما كان يحمل الهراوة.

والآخر كان يحمل شهادة الدكتوراه.

لكن في النهاية…

كلاهما كان يحمل الوجع نفسه.

ذلك الشرطي، في نظر كثيرين، لم يكن الفاعل الحقيقي.

كان مجرد نائب للفاعل، ينفذ ما أُملي عليه.

أما أخوه، الدكتور المعطل، فكان المفعول به، أو إذا شئنا الدقة، أحد ضحايا واقع، لم يفرّق بين الإخوة.

إنها ليست قصة أخوين فقط.

إنها قصة وطن، حين يجد أبناء الأسرة الواحدة أنفسهم في صفين متقابلين.

صفٌّ ينفذ.

وصفٌّ يحتج.

والمؤلم أن كليهما قد يعود مساءً إلى البيت نفسه، حاملاً التعب نفسه، والدمعة نفسها، والأسئلة نفسها.

ولعل أكثر ما يؤلم في هذه الحكاية، أن أحداً لم يخرج منها منتصراً.

فالشرطي عاد مثقلاً بصورة أخيه التي لن تغادر ذاكرته.

والدكتور عاد مثقلاً بإحساس أن سنوات العلم، لم تكن كافية لتفتح له باب الكرامة، التي كان يحلم بها.

ويبقى السؤال الذي يتجاوز هذه القصة كلها:

كم من مرة وضعت الظروف أخاً في مواجهة أخيه؟

وكم من مرة اكتشفنا أن الصراع الحقيقي، لم يكن بين الناس، بل بين الإنسان والواقع الذي فُرض عليه؟

ربما لهذا بقيت هذه الحكاية حية، في ذاكرة من عاش تلك المرحلة.

لأنها لم تكن حكاية هراوة.

ولا حكاية شهادة.

بل كانت حكاية وطنٍ بكى… بدمعتين خرجتا في اللحظة نفسها، من عينَي أخوين.

تنبيه: الصورة من الأرشيف، استُخدمت لأغراض تعبيرية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.