حين يبتسم الشرطي… ويطمئن القاضي: هل نحتاج إلى ثورة في ثقافة التعامل مع المواطن؟

ضربة قلم
في كثير من دول العالم، لا يخاف المواطن من رجل الأمن، بل يراه جزءًا من حياته اليومية. في بريطانيا، يلتقط السياح والمواطنون الصور التذكارية مع رجال الشرطة بكل عفوية، وفي عدد من الدول الأوروبية، يتحول الشرطي إلى عنوان للطمأنينة، لا إلى مصدر للرهبة. أما في الولايات المتحدة الأمريكية، فقد تابع العالم قبل أيام، مشاهد لرجال شرطة يرقصون مع الجماهير والسياح الذين قدموا لمتابعة مباريات كأس العالم، في رسالة بسيطة، لكنها عميقة: الأمن لا يعني العبوس، وهيبة الدولة، لا تتعارض مع الابتسامة.
ولعل أكثر الصور الإنسانية التي بقيت عالقة في ذاكرة الملايين، ذلك القاضي الأمريكي الراحل فرانك كابريو، الذي لم يكن ينظر إلى المتقاضين باعتبارهم مجرد ملفات وأرقام، بل كان يرى في كل واحد منهم إنسانًا، قد يكون أخطأ أو تعثر أو ضاقت به الدنيا. لذلك استحق عن جدارة لقب “القاضي الرحيم”، بعدما حول قاعة المحكمة إلى فضاء يشعر فيه الناس بأن العدالة لا تعني الانتقام، بل تعني أيضًا الإنصاف والرحمة وفهم الظروف الإنسانية.
قد يقول قائل، إن لكل دولة خصوصيتها، وهذا صحيح. لكن احترام الإنسان، وحسن استقباله، والحديث إليه بلباقة، ليست امتيازات غربية، بل قيم إنسانية ودينية وحضارية، لا تحتاج إلى جواز سفر.
في المغرب، لا أحد ينكر حجم التضحيات التي يقدمها رجال الأمن، ولا المجهودات الكبيرة التي تبذلها المؤسسة الأمنية في حفظ النظام ومحاربة الجريمة، كما أن الجسم القضائي، يضم كفاءات محترمة ونماذج مشرفة. غير أن المواطن البسيط ما زال، في أحيان كثيرة، يعيش رهبة مبالغًا فيها، بمجرد أن تطأ قدماه مؤسسة أمنية أو محكمة.
يكفي أن يتلقى استدعاء للحضور حتى يبدأ القلق ينهش أعصابه. وإذا دخل المحكمة، يشعر وكأنه دخل عالمًا لا يعرف لغته ولا قواعده، عالمًا يسوده الصمت، والوجوه المتجهمة، والتعليمات الصارمة، والنظرات التي توحي أحيانًا، بأن كل من دخل المكان متهم إلى أن يثبت العكس.
بل إن بعض رجال الأمن أنفسهم، يعيشون تحت ضغط هائل، ليس لأنهم يرفضون التعامل الإنساني مع المواطنين، ولكن لأنهم يخشون الوقوع في أي خطأ، قد يعرضهم للمساءلة الإدارية أو التأديبية. فتجد البعض يختار الجدية المفرطة، ويبتعد عن أي هامش للعفوية، معتقدًا أن الصرامة وحدها هي الطريق الآمن. والنتيجة أن العلاقة الإنسانية بين رجل السلطة والمواطن تصبح أحيانًا ضحية لهذا الخوف المتبادل.
وهنا يبرز السؤال الحقيقي: هل هيبة الدولة تُقاس بعبوس الموظف؟ وهل احترام القانون يحتاج إلى رفع الصوت؟ وهل يشعر المواطن بثقة أكبر عندما يعامل بجفاء؟
الجواب، في تجارب الدول التي نجحت في بناء الثقة، هو لا.
هيبة المؤسسات تُبنى بالكفاءة، وبالعدل، وبسرعة الإنجاز، وباحترام الكرامة الإنسانية. أما الابتسامة، فهي لا تنتقص من هيبة الشرطي، كما أن حسن الاستقبال، لا يقلل من مكانة القاضي أو الموظف، بل يزيدها احترامًا في أعين الناس.
إن المواطن الذي يدخل إلى المحكمة أو إلى مرفق أمني، لا يكون دائمًا جانحًا أو مجرمًا، فقد يكون شاهدًا، أو ضحية، أو مجرد شخص جاء للحصول على وثيقة. لذلك فإن أول ما يحتاجه، هو الشعور بأنه في مؤسسة تحميه وتستمع إليه، لا في مكان يزيد من خوفه وارتباكه.
لسنا بحاجة إلى تحويل المحاكم إلى قاعات للأفراح، ولا مراكز الشرطة إلى فضاءات للترفيه، بل نحن بحاجة إلى ترسيخ ثقافة مؤسساتية، تجعل المواطن يشعر بأن الدولة قوية بعدالة قانونها، وعظيمة بإنسانية مؤسساتها. فالقانون لا يحتاج إلى عبوس ليُحترم، والهيبة لا تُبنى برفع الحواجز النفسية بين الموظف والمواطن، وإنما تُبنى بالعدل، والاحترام، وحسن الاستقبال، والشعور بأن كرامة الإنسان محفوظة، مهما كانت صفته أو وضعيته.
فالابتسامة لا تُضعف هيبة الدولة، والكلمة الطيبة لا تُعطل تنفيذ القانون، والاحترام لا ينتقص من سلطة أحد. بل على العكس، فإن الدول التي نجحت في بناء الثقة بين مؤسساتها ومواطنيها، هي تلك التي فهمت أن الأمن الحقيقي، يبدأ عندما يشعر المواطن بأن رجل الأمن حامٍ له، وأن المحكمة عنوان للعدالة لا مصدر للرعب.
وربما آن الأوان لأن ننتقل من ثقافة “الخوف من المؤسسة” إلى ثقافة “الثقة في المؤسسة”. فالدولة القوية، ليست تلك التي يخشاها مواطنوها، بل تلك التي يطمئنون إليها، ويقصدونها وهم واثقون أن كرامتهم ستظل محفوظة، وأن القانون سيُطبق عليهم، نعم، ولكن بإنسانية تليق بدولة تسعى إلى ترسيخ دولة الحق والمؤسسات.




