الإعلانات الظاهرة على هذه المنصة تُعرض تلقائياً عبر خدمة Google AdSense، وهي الممول الإعلاني الوحيد لمنصتنا الإلكترونية، ولا تعبّر بالضرورة عن توجهاتنا أو مواقفنا

رياضةمجتمع

حين يتحدث الدرج الجنوبي… فالأمر لا يتعلق فقط بكرة القدم، بل بكرامة جمهور يرى نفسه مستهدفًا

ضربة قلم

بلاغ “الكورفاسيد” الأخير ليس مجرد رد فعل غاضب على مباراة أو سوء تنظيم عابر، بل هو نص مشحون بلغة سياسية وحقوقية واضحة، يكشف حجم الاحتقان المتراكم، بين جزء واسع من جمهور الرجاء الرياضي وبين المقاربة الأمنية التي يعتبرها هذا الفصيل متجاوزة لمنطق التنظيم إلى منطق التضييق والاستهداف.

أول ما يلفت الانتباه في البلاغ، هو أنه يربط بين الصورة الرسمية التي تُسوّق لمغرب قادر على احتضان التظاهرات الكبرى، وبين واقع ميداني يعتبره أصحاب البلاغ فاشلًا حتى في تدبير مباراة محلية، تحفظ الحد الأدنى من الكرامة الإنسانية. هنا، لا يهاجم البلاغ فقط تدبير مباراة بعينها، بل يضرب في عمق الخطاب الترويجي المرتبط بالبنيات التحتية والصورة الدولية، عبر طرح سؤال بسيط لكنه موجع: ما قيمة الملاعب الحديثة، إذا كان الإنسان نفسه يشعر بالإهانة عند بوابتها؟

البلاغ أيضًا يتجاوز الحديث عن “تنظيم سيئ” إلى اتهام مباشر بوجود “استهداف ممنهج” لجمهور الرجاء، وهي نقطة بالغة الحساسية، لأنها تعكس شعورًا متناميًا داخل بعض الأوساط الرجاوية، بأن التعامل معهم لم يعد ظرفيًا أو مرتبطًا بسياقات محددة، بل أصبح في نظرهم جزءًا من مقاربة متكررة. سواء اتفق المتابع مع هذا الطرح أو اختلف، فالأكيد أن مجرد انتشار هذا الإحساس وسط جمهور بهذا الحجم يستحق التوقف، لأن كرة القدم، حين تتحول من مساحة انتماء وفرجة إلى شعور بالاستهداف، يصبح الاحتقان مرشحًا للتفاقم.

لغة البلاغ نفسها اختارت التصعيد الرمزي الكبير:
“طريدة”، “مقصلة”، “حواجز الموت”، “مصيدة بشرية”…
وهي مفردات تعكس أن أصحاب البلاغ لا يريدون توصيف ما حدث كاختلال إداري بسيط، بل كأزمة كرامة. هذا الأسلوب، رغم حدته، يكشف أن القضية بالنسبة إليهم، ليست فقط اعتقالات أو تدافعًا، بل إحساس جماعي بالإهانة.

كما أن الإشارة إلى مصادرة رموز مرتبطة بالكوفية الفلسطينية تحمل بُعدًا إضافيًا، إذ ينقل البلاغ الواقعة من نطاق التشجيع الرياضي إلى فضاء رمزي أشمل يتعلق بحرية التعبير والهوية التضامنية داخل المدرجات، وهي نقطة يعرف الجميع حساسيتها الكبيرة داخل الثقافة الالتراوية المغربية.

الأهم في البلاغ أنه لا يكتفي بوصف ما جرى، بل يؤسس لمرحلة احتجاجية جديدة، عبر الدعوة إلى وقفة تضامنية، ما يعني أن الملف مرشح للاستمرار خارج حدود التسعين دقيقة. وهنا تظهر قوة المجموعات المنظمة: فهي لا ترى نفسها فقط جمهورًا، بل فاعلًا ميدانيًا قادرًا على التعبئة والتأطير وصناعة خطاب مضاد.

لكن وسط كل هذا، تبقى الحقيقة الأعمق:
حين تصل العلاقة بين جمهور وسلطات التنظيم إلى هذا المستوى من انعدام الثقة، فإن الأزمة لا تكون فقط في بوابة ملعب أو سوء تدبير مباراة، بل في الحاجة إلى مراجعة حقيقية لكيفية تدبير المجال الرياضي كفضاء للكرامة قبل الردع.

الرجاء، كفريق، أكبر من مجرد نتائج…
وجمهورها، كما يظهر من هذا البلاغ، لا يريد فقط حق التشجيع، بل حق الاحترام.

وفي المقابل، فإن أي دولة تسعى فعلًا إلى كسب رهان التظاهرات الكبرى، لا يكفيها تشييد الملاعب والواجهات، بل تحتاج أيضًا إلى بناء الثقة بين التنظيم والمواطن، لأن صورة الوطن، لا يصنعها الإسمنت وحده… بل أيضًا طريقة معاملة الناس عند الأبواب.

بلاغ الدرج الجنوبي، في جوهره، ليس فقط صرخة رجاوية…
إنه تذكير قوي بأن الجماهير حين تشعر بأن كرامتها مست، فإن المدرج، يتحول من فضاء للتشجيع… إلى منصة احتجاج.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.