
ضربة قلم
سكت دهرا، فلما تكلم… وزّع علينا جرعة من الفلسفة الحكومية المعلّبة: وزير العدل عبد اللطيف وهبي، الذي اشتهر أكثر بصمته المريب من تصريحاته المضيئة، قرّر أن يخرج هذه المرة ليخبرنا أن “التظاهر السلمي حق دستوري” وأن “الحكومة تسمع نبض الشارع”.
كلام جميل، لولا أن الشارع نفسه لم يسمع من الحكومة إلا ضجيج العصي وصفير الغاز.
وهبي، في خرجة إعلامية على قناة “العربية”، بدا كمن يحاول إقناعنا أن الحكومة ليست نائمة، بل فقط تغطّ في قيلولة ديمقراطية قصيرة. قال إن “الصمت الحكومي” لم يؤجّج الاحتجاجات، وكأن الناس خرجوا فقط لتغيير الجو أو لممارسة رياضة الركض أمام قوات الأمن.
أما “الانزلاقات” التي تحدّث عنها، فهي برأيه مجرد بهارات طبيعية تضاف إلى طبق الديمقراطية، مثلما تضاف الفلفلة الحارة إلى الكسكس: تُدمع العينين لكنّها في النهاية “جزء من الطقس الديمقراطي”.
المفارقة أن الوزير يصرّ على أن الدولة “استمعت للرسالة”، لكننا لا نعرف هل وصلت الرسالة بالفاكس، بالبريد الممتاز، أم ضاعت في صندوق شكايات مهمل.
وفي قمة الكوميديا السوداء، ذكّرنا وهبي أن “الدستور لا يسقط الحكومات عبر المظاهرات”. شكرا على المعلومة يا سيادة الوزير، كنّا فعلا نظن أن الجماهير ستقتحم البرلمان وتوزّع كراسيه مثل الكعك.
ثم جاءت الفقرة المفضّلة: عندما وصف المغرب بأنه “بلد بسرعتين”. نعم، سرعة فائقة للمشاريع الكبرى، وسرعة حلزونية لقطاع الصحة والتعليم والعدالة الاجتماعية… مع فرق صغير: من يركب القطار السريع ليس هو من ينتظر الحافلة المتآكلة في القرى.
وفي محاولة لإظهار الوجه الإنساني، طمأننا وهبي بأن القاصرين المعتقلين “أبناؤنا”. جميل. لكن أي أبٍّ هذا الذي يبدأ تربيته بالهراوة وينهيها بمحضر الشرطة؟
باختصار: وهبي أراد أن يظهر كحكيم يعترف بالخطأ ويؤمن بالحوار، لكنه خرج كالمهرج الذي يحاول إطفاء الحريق بخطبة عصماء.




