حين يتحول “الإعلام” إلى دفٍّ يدقّ… جرائد إلكترونية تقتات على الدعم وتبيع ما تبقى من شرف الكلمة

ضربة قلم
في السنوات الأخيرة، صار المشهد الإعلامي المغربي -خصوصاً الإلكتروني منه- يتّخذ منحى أثار دهشة المتتبعين وأحزن الغيورين على المهنة. فمؤسسات وازنة كانت تعد نفسها ذات يوم منابر مستقلة، تحوّلت اليوم إلى أبواقٍ رخوة، لا همّ لها سوى ملاحقة الدعم العمومي بكل الطرق، ثم مضاعفة أرباحها عبر تأجير أقلامها لمن يدفع أكثر.
وما كان يُعدّ دعماً لتقوية الصحافة وتمكينها من أداء دورها المجتمعي، أصبح في نظر البعض مجرّد ريع، وعتبة أولى نحو السقوط في مقبرة الابتذال. فكم من جريدة إلكترونية لا تملك لا خطاً تحريرياً، ولا رؤية، ولا حتى فريقاً صحفياً حقيقياً، لكنها تُضخّم حضورها كل سنة بفضل “سخاء الدعم”، وبفضل جيوب الإعلانات الصامتة التي لا تمر عبر منطق الصحافة… بل عبر منطق الولاء.
لكن المشكلة لم تُعد تقف عند هذا الحد. فالمال الذي كان يُفترض أن يمنح لهذه المواقع مساحة للتنفس وللإبداع المهني، لم يعد كافياً. كثير من هذه المنابر لم تعد تكتفي بما يصلها من صناديق الدولة، بل انتقلت إلى لعب أدوار أكثر ابتذالاً، أدواراً أقرب إلى “الطبل والغيطا” كما في التشبيه الشعبي القاسي، لكنها حقيقة لا يمكن إنكارها.
فالطبّالة والغَيّاطة في الحفلات لا يسألون عن “عذرية العروس”، بل يهتمون فقط بعدد الأوراق المالية التي تُزجّ في جيوبهم. وهكذا أصبح جزء من إعلامنا اليوم: لا يهمه مضمون الخبر، ولا صدقيته، ولا تأثيره على الرأي العام، بل فقط حجم المقابل، وكيف يظل منحنياً فوق “دفّ” صاحبه دون أن يرفع رأسه، حتى يرى لمن يدقّ.
صحافة بلا قضية… بل بلا عمود فقري
مؤسف أن نعاين اليوم هذا النوع من المواقع الإلكترونية التي تتكاثر مثل الفطريات، بلا هوية، بلا لغة، بلا حدّ أدنى من المهنية. مواقع تُدار من أي مكان، أو من مقاهٍ صاخبة، لكنها تتظاهر بأنها “منابر وطنية كبرى”. وتجدها في اليوم الواحد، تنشر ما لا يقل عن أربعين مادة، كلها نسخ، لصق، ومواضيع “وتغطيات” بلا تعليق ولا وزن ولا قيمة، فقط كي تبقى في الواجهة وتضمن زيارات تُبرّر استمرارها.
لكنّ الأخطر ليس في الرداءة، بل في استعمال الرداءة كسلاح. فبعض هذه المنابر تحوّلت إلى “كتائب” تُطلق النار فقط حين تتلقى الإشارة:
– تطبّل لمسؤول قبل أن يستفيق من نومه.
– تمدح مؤسسة لم تقدّم للمواطن شيئاً.
– وتهاجم جهات أخرى لأن “الممول” يريد ذلك.
هكذا يصبح “الصحافي” مجرد “مؤدٍّ” لفقرة مدفوعة الثمن، يؤديها بانحناءة تشبه انحناءة المغني المُتكسّب في الأعراس، ذلك الذي يُكثر من “العيوط” لأنه يعرف أن جيوب الحاضرين ثقيلة.
حين تُمنح الأقلام وتُشترى المواقف
من المؤسف أن نصل إلى زمن لم يعد فيه شراء المواقع الإلكترونية مجرد شبهة، بل أصبح ممارسة عادية، لا تحرج أحداً. تفتح موقعاً إلكترونياً معيناً، فتجده يُسبّح بحمد شخص ما يوم الاثنين، ويُصفّق لخصمه يوم الثلاثاء، فقط لأن الظرفية تغيّرت، والممول تغيّر.
والأدهى أن بعض هذه المنابر باتت تتدخل في ملفات لا علاقة لها بها، وتفرض “ترتيباتها” على مسؤولين محليين وجهويين، من خلال الابتزاز أو المساومة:
– خبر سلبي يُحذف مقابل بضعة آلاف.
– مقال مدح يُنشر مقابل “اتفاقية شراكة”.
– صمتٌ مدروس حين تدفع الجهة المناسبة.
– وضجيج مدروس حين يبرد جيب الممول.
هذه ليست صحافة.
هذا بازار مفتوح، يرتدي قناع الإعلام، لكنه يؤدي وظيفة “الطبالة والغياطة”: كثير من الضوضاء… صفرُ قيمة.
الدعم الذي كان دواءً، فتحول إلى سمّ
الدولة، حين ضخت الدعم لهذه المؤسسات، كانت تراهن على أن الصحافة ستتحسن، ستقوى، ستتطور، وستقف على قدميها بفضل هذه المساعدات. لكن جزءاً من المهنة استغل ذلك لغير ما خُصص له:
-
بدل الاستثمار في تكوين الصحفيين، تم الاستثمار في شراء سيارات.
-
بدل ترقية البنية التقنية، تمت ترقية الحسابات البنكية.
-
بدل احترام أخلاقيات المهنة، تم احترام رغبات الممولين.
وهكذا تحول الدعم من وسيلة للنهوض إلى وسيلة للانحناء.
والمؤلم أكثر: إسقاط سمعة الصحافة الوطنية
ما يجري اليوم لا يسيء إلى هذه المواقع وحدها، بل يسيء إلى كل صحفي شريف يشتغل من دون دعم، ومن دون حماية، ومن دون “مظلات سياسية”. كما يسيء إلى صورة الإعلام المغربي أمام المواطن، الذي أصبح يرى في أغلب المنابر الإلكترونية مجرد “أبواق مدفوعة”.
هذا الشعور القاتم يدفع الناس إلى فقدان الثقة في الصحافة، وهو أخطر ما يمكن أن يخسره مجتمع.
فحين تغيب الثقة، تتحول الأخبار إلى سلع، والمعلومات إلى صفقات، والآراء إلى “عيوط مدفوعة”.
خاتمة… وصرخة
الإعلام الحقيقي ليس طبلاً، وليس غيطا.
الإعلام الحقيقي لا ينحني، ولا يبيع صوته، ولا يقايض مواقفه بأي ثمن.
والسؤال اليوم ليس عن “عدد المواقع الإلكترونية” بل عن عدد المواقع التي ما زالت تحتفظ بكرامتها.
وما لم يحدث فرز حقيقي بين من يمارس الصحافة ومن يمارس “النقر على الدف”، فإن المشهد الإعلامي سيواصل انحداره،وحين ينهار الإعلام، لا ينهار معه الصحفيون فقط… بل ينهار جزء من المجتمع نفسه.




