حين يتحول “المناضل” إلى تاجر نفوذ… والشعب يعلن نهاية السيرك السياسي!

محمد صابر
كثيرون ممن ظلوا لعقود يمارسون لعبة “الأطفال الكبار” داخل ما اصطلح عليه بالعمل السياسي، اكتشف المغاربة متأخرين أنهم لم يكونوا يؤمنون لا بالوطن، ولا بالشعب، ولا حتى بالأفكار التي كانوا يصرخون بها في المهرجانات والخطب. كانوا فقط ممثلين بارعين في مسرحية طويلة عنوانها: “كيف تتحول من مناضل فقير إلى إمبراطور امتيازات؟”.
في بلد عجيب وغريب مثل المغرب، يمكن أن ترى شخصًا كان بالأمس القريب يبحث عمن يقرضه ثمن حذاء، يتحول فجأة إلى ملياردير يملك شركات وعقارات واستثمارات في الخارج، ثم يجلس في المقاهي الفاخرة بأوروبا أو الخليج، ويتباهى أمام أصدقائه بأنه “عرف من أين تؤكل الكتف”، وأنه استطاع ابتزاز مسؤولين كبار ورجال أعمال، لأنه فقط اقترب من دوائر النفوذ، أو نجح في تسويق نفسه كأحد “المقربين” من مراكز القرار.
المأساة ليست فقط في هؤلاء، بل في ذلك الصمت الطويل الذي سمح لهم بالنمو مثل الفطريات داخل الحياة العامة. أشباه يساريين قضوا سنوات وهم يبيعون الوهم للفقراء، يتحدثون عن العدالة الاجتماعية والكرامة والطبقات الشعبية، قبل أن يكتشف المغاربة أن كثيرًا منهم لم يكن يسارياً إلا في الشعارات، أما في الواقع، فكان رأسماليًا متوحشًا، وانتهازيًا محترفًا، يعتبر السياسة، مجرد سلم للصعود نحو الثروة والصفقات والمناصب.
ظهر أيضًا صنف جديد من “المناضلين”، يشبهون “الطيابات” في الحمامات التقليدية، يتقنون التملق في الكواليس واستهلاك شعبوية مملة فقدت بريقها منذ سنوات، ويستعملون خطابًا يساريًا مهترئًا، كمنشفة قديمة يخفون وراءها انتهازية مقرفة. هؤلاء لا يهمهم الفكر ولا المبادئ، بل فقط أين توجد الكاميرات، وأين توجد الولائم السياسية، وأين توزع الغنائم الانتخابية. يتحدثون عن الشعب، وهم يحتقرونه في قرارة أنفسهم، ويستعملون لغة النضال، فقط كأداة للحصول على الامتيازات والصفقات والمواقع.
أما الأحزاب الأخرى، فكثير منها لم يعد يخجل أصلًا من كشف حقيقته. لا مشاريع مجتمعية واضحة، لا رؤى اقتصادية عميقة، لا نقاشات فكرية تحترم ذكاء الناس. كل ما يهم هو عدد المقاعد، حجم التحالفات، ومن سيحصل على الوزارات “الدسمة”. السياسة عند البعض، أصبحت أشبه بسوق أسبوعي كبير: مزاد مفتوح على النفوذ، وعلى القرب من السلطة، وعلى من يملك القدرة الأكبر على حشد الأتباع وصناعة الضجيج.
والأخطر أن بعض الوجوه التي دأبت لسنوات على بيع التزكيات وتحويل الانتخابات إلى تجارة موسمية، والتي تفتقر إلى الحد الأدنى من الرصانة السياسية والأخلاقية، أصبحت تطمح مباشرة إلى رئاسة الحكومة، وكأن الأمر يتعلق بدور بطولة في مسلسل رمضاني رديء الإخراج. مجرد مرتزقة سياسيين يتنقلون بين الولاءات والخطابات حسب اتجاه الرياح، يغيرون “مواقفهم” أسرع من تغيير ربطة العنق، ويتحدثون عن “المبادئ” صباحًا، ثم يدفنونها مساءً داخل صفقات وتحالفات مشبوهة، معتقدين أن المغاربة فقدوا الذاكرة، وأن الشعب لا يتذكر من كان يسب من، ومن كان يتهم الآخر بالفساد قبل أن يتحول فجأة إلى حليف “استراتيجي” تحت قبة المصالح.
لكن الحقيقة التي يتجاهلها كثيرون، أن الشعب المغربي تغيّر. نعم، قد يصمت أحيانًا، وقد يبدو متعبًا أو منشغلًا بلقمة العيش، لكنه لم يعد ذلك الشعب الساذج الذي تصدقه الشعارات الجوفاء بسهولة. هناك وعي يتشكل ببطء، وغضب هادئ يتراكم في العمق، خصوصًا لدى فئات واسعة من الشباب الذين ملّوا من الانتظار الطويل، ومن مشاهدة نفس الوجوه وهي تتبادل الأدوار منذ عقود دون أن يتغير شيء جوهري في حياتهم.
المغاربة تعبوا من سياسة “التخدير بالكلام”، ومن تحويل الانتخابات إلى موسم للوعود المستهلكة. تعبوا من رؤية مسؤولين يتحدثون عن الوطنية وهم يهربون أموالهم إلى الخارج. تعبوا من طبقة سياسية تتقن فن الخطابة أكثر مما تتقن حل مشاكل التعليم والصحة والشغل والكرامة.
اليوم، لم يعد السؤال الحقيقي هو: من سيربح الانتخابات المقبلة؟ بل أصبح: هل ما زال المواطن يؤمن أصلًا أن السياسة قادرة على إنتاج أمل حقيقي؟
حين يصل الناس إلى مرحلة السخرية الجماعية من السياسيين، فذلك ليس مجرد مزاح عابر، بل مؤشر خطير على انهيار الثقة. والمشكلة أن بعض النخب ما زالت تتصرف بعقلية قديمة، تعتقد أن المواطن يمكن شراء صمته بخطاب عاطفي أو بصورة في “فيسبوك” أو بشعارات مستهلكة عن الوطنية والتنمية.
لكن الزمن تغير. والشعب الواعي الذي صبر طويلًا، وراقب طويلًا، بدأ يفهم أن أخطر ما يهدد الأوطان ليس الفقر وحده، بل أيضًا تحوّل السياسة إلى مهنة للارتزاق، وإلى لعبة يتقنها الوصوليون، أكثر مما يتقنها أصحاب الكفاءة والضمير.
والمخيف حقًا، أن استمرار هذا العبث، قد يدفع الأجيال الجديدة إلى فقدان أي إيمان بالعمل السياسي كله، وهو ما يفتح الباب أمام الفراغ، واللامبالاة، وربما أشكال أخرى من الاحتقان الصامت، الذي لا تظهر آثاره، إلا حين يصبح الإصلاح أصعب بكثير.




