حين يتحول النهائي إلى مرآة للإعلام: من التضامن إلى الشماتة

ضربة قلم
قبل الخوض في تفاصيل المباراة ووقائعها، لا بد من التوقف، عند ما يمكن تسميته بالخبث الكروي المقنّع بالاحتجاج، ذلك الاحتجاج الذي حمل في طياته، رسالة لم تكن بريئة، وانقلبت في نهاية المطاف، على أصحابها. فالتشكيك في ضربة الجزاء التي احتُسبت للمنتخب المغربي، لم يصمد أمام عشرات الإعادات التلفزيونية التي أكدت، دون أدنى لبس، أن لاعبًا سنغاليًا أسقط لاعبًا مغربيًا، داخل مربع العمليات بطريقة عدوانية، لا تمت لروح الرياضة بصلة.
وإذا عدنا إلى أولى حلقات هذا الاحتجاج، نجد أن الهدف الذي تم إلغاؤه جاء، هو الآخر، نتيجة دفع واضح لمدافع مغربي في نفس اللقطة التي سُجل فيها الهدف، ما يجعل قرار الحكم منسجمًا مع قوانين اللعبة، لا وليد هوى أو ضغط.
غير أن الصورة لا تكتمل دون التوقف عند رسالة النفاق الدبلوماسي التي سبقت المباراة، حين شددت الدبلوماسية السنغالية، على أن “العلاقة الأخوية التي تجمع البلدين أقوى من أي مباراة”. خطاب ناعم في العلن، يقابله سلوك متشنج وممنهج داخل المستطيل الأخضر، حيث تحوّل الاحتجاج المتواصل، مباشرة بعد صفارة الحكم، واللجوء إلى تقنية “الفار” للتأكد من ضربة الجزاء، إلى أداة لتشتيت تركيز اللاعبين المغاربة، في ما بدا كخطة محكمة، لإفساد العرس الكروي، لا مجرد اعتراض عفوي على قرار تحكيمي.
مواقف الإعلام الذي ساند المغرب
في خضم هذا الجدل، برزت تغطيات إعلامية دولية وعربية، تعاملت مع المباراة من زاوية تقنية وموضوعية، معتبرة أن القرارات التحكيمية، رغم حساسيتها، جاءت ضمن الهامش الذي يسمح به قانون اللعبة. عدد من التحليلات، ركز على أن ضربة الجزاء المحتسبة للمغرب، كانت نتيجة تدخل واضح داخل منطقة الجزاء، وأن اللجوء إلى تقنية الفيديو، عزز مشروعية القرار بدل أن ينتقص منها.
كما أشارت بعض القراءات الإعلامية، إلى أن إلغاء الهدف السنغالي، كان مرتبطًا بدفع لاعب وإسقاطه، في نفس اللقطة، معتبرة أن مثل هذه الحالات، كثيرًا ما تُحسم بتقدير الحكم، خاصة في المباريات، التي تُلعب تحت ضغط جماهيري وإعلامي كبير.
في المقابل، شدد عدد من المحللين، على أن المنتخب المغربي قدّم بطولة قوية، من حيث الأداء والاستقرار التكتيكي، وأن وصوله إلى النهائي، لم يكن وليد الصدفة، بل نتيجة مسار متوازن فرض فيه حضوره، كأحد أبرز منتخبات القارة. ورغم خسارة اللقب، اعتبر هذا الإعلام أن صورة المغرب الكروية، لم تتأثر، سواء من حيث المستوى التقني، أو من حيث التنظيم العام للبطولة.
وانتهت غالبية هذه التغطيات إلى أن النهائي، بكل ما حمله من جدل وتوتر، يظل جزءًا من طبيعة المنافسات الكبرى، حيث تتقاطع القرارات التحكيمية، الضغط الجماهيري، وحساسية اللحظة، دون أن يلغي ذلك القيمة الرياضية، لما قدمه المنتخبان على امتداد البطولة.
ومن شمت في الخسارة
في المقابل، لم تخلُ الساحة الإعلامية، من أصوات تعاملت مع نتيجة النهائي، بمنطق الشماتة أكثر من التحليل الرياضي. بعض المنابر ركزت على خسارة المغرب فوق أرضه، وجعلت من ذلك عنوانًا رئيسيًا، متجاهلة مسار المنتخب في البطولة، ومستوى الأداء الذي قاده إلى المباراة النهائية.
هذا الخطاب انشغل بالنتيجة النهائية أكثر من تفاصيل المباراة، وذهب في اتجاه قراءة انتقائية للأحداث، حيث تم تضخيم لحظات الجدل التحكيمي، أو تقديمها باعتبارها جوهر اللقاء، بدل وضعها في سياقها الطبيعي كمواقف شائعة في المباريات الكبرى. كما أن بعض التعليقات، بدت وكأنها تبحث عن تصفية حسابات رياضية قديمة، أو استثمار لحظة خسارة، لإعادة إنتاج سرديات مسبقة، لا علاقة لها بالمستطيل الأخضر.
ورغم هذا التناول، بقيت هذه الأصوات معزولة، مقارنة بالإعلام الذي اختار مقاربة أكثر توازنًا، معتبرًا أن خسارة نهائي لا تلغي قيمة المسار، ولا تُسقط مكانة منتخب فرض نفسه رقميًا وتقنيًا ضمن كبار القارة، سواء تُوّج باللقب أو اكتفى ببلوغ المشهد الختامي.
وفي نهاية هذا المسار، لا جدوى من البحث عن مشاجب خارجية، لتعليق الخسارة عليها، ولا فائدة من الغرق في تعداد الأخطاء التقنية، أو القرارات الأخيرة. الأجدر الاعتراف بأن بطارية وليد الركراكي بلغت نهايتها الطبيعية؛ مدرب أعطى ما في جعبته، واستثمر أقصى ما يمكن من رصيده التكتيكي والذهني مع المجموعة، ونجح في بناء مرحلة كاملة، لها ما لها وعليها ما عليها. ما تحقق لم يكن صدفة، وما تعثّر لم يكن خيانة أو تقصيرًا، بل نتيجة دورة كروية استنفدت أدواتها. منطق كرة القدم، يقول إن بعض المشاريع تصل إلى سقفها، وحين يحدث ذلك، يصبح التجديد خيارًا صحيًا، لا انتقاصًا من قيمة من قاد المرحلة، بل اعترافًا بما قدمه واحترامًا، لما تبقى من صورته في ذاكرة الجماهير.




