حين يتحول صوت الشباب إلى جريمة: اعتقالات تكشف مأزق العلاقة بين الدولة والجيل الجديد

ضربة قلم
لم يعد مشهد اعتقال شباب في عمر الزهور لمجرد مشاركتهم في احتجاجات سلمية حدثًا عابرًا يمكن طيه في زوايا الأخبار اليومية. بل هو عنوان بارز لأزمة عميقة تتجاوز مجرد توقيفات أمنية لتلاميذ وطلبة جامعيين، إلى مأزق علاقة الدولة بجيلها الجديد، وإلى سؤال الشرعية في إدارة الفضاء العمومي.
1. الشباب بين الحلم والخذلان
هؤلاء الذين خرجوا إلى الشارع لم يُهتفوا بشعارات عابرة، بل رفعوا مطالب محددة وواقعية تمس جوهر الحياة اليومية: تحسين التعليم العمومي، ضمان جودة التكوين، الحرية الأكاديمية، الصحة العامة المزدهِرة، وإنصاف الأطباء والطلبة.
ولم تقتصر المطالب على الحقل الصحي والتعليم الجامعي فحسب، بل امتدت إلى الحق في تعليم عمومي ذي كفاءة ومتكافئ الفرص، الحق في الصحة بدون تمييز، والحياة الكريمة التي لا تُقاس بإنشاء الملاعب الفاخرة أو المشاريع الكبرى إن لم تكن تلبّي احتياجات المواطن في حقه في الخدمات الأساسية.
لكن ما إن خرجوا يطالبون بهذه الحقوق، حتى وُوجِهوا بردٍ صارم لا يفرّق بين طالب أو تلميذ، بين ضحية ظلمٍ إداري وبين مدافع عن كرامة إنسانية. أصبح التعبير عن المطالب الاجتماعية والسياسات العامة يُعامل، عند بعض الجهات، كمظهر “انفلات أمني” يجب قمعه، لا كإشارة على ضرورة الإصلاح.
2. من الاحتجاج إلى التجريم
الاحتجاج السلمي، في أي تجربة ديمقراطية، هو صمام أمان لا قنبلة موقوتة. وعندما تُستبدل طاولة الحوار بأبواب الزنازين، فإن الرسالة التي يتلقاها الجيل الجديد واضحة:
-
أن التعبير الحر ثمنه الاعتقال.
-
وأن الحلم بمستقبل أفضل قد يتحول إلى تهمة تهدد “النظام العام”.
هذا المنطق يعيدنا إلى السؤال الجوهري: هل نحن أمام دولة تخشى مواطنيها بدل أن تراهن على طاقاتهم؟
3. العائلات بين الصدمة والخذلان
الأثر الاجتماعي لهذه الاعتقالات لا يقف عند حدود الأفراد. الأسر تعيش مأساة مضاعفة:
-
أمهات يذبن قلقًا في أروقة المحاكم.
-
آباء يلتزمون صمتًا مريبًا، يمزج بين الخوف والإحباط.
-
وأخوة وأصدقاء يتساءلون عن جدوى الدراسة والطموح إن كان مآله الزنازين.
إنها دائرة خذلان لا تنكسر بسهولة، تزرع عدمية خطيرة في جيل كان يمكن أن يكون عماد المستقبل.
4. الدولة بين هاجس الأمن واستحقاق الثقة
لا أحد ينكر أن الدولة تحتاج إلى الاستقرار، لكن الاستقرار القائم على الخوف هشّ بطبيعته. التجارب العالمية أثبتت أن القمع لا يُسكت الأصوات بل يؤجل الانفجار. بينما الدول التي راهنت على الحوار مع شبابها كسبت شرعيتها ومناعة مجتمعها.
السؤال المطروح اليوم: هل ستظل السلطة تعتبر الفضاء العمومي ملكًا محروسًا أم ستجرؤ على جعله فضاءً مشتركًا للحوار والاختلاف؟
5. المستقبل على المحك
اعتقال شباب في عمر الزهور لا يعني فقط تقييد أجسادهم خلف القضبان، بل هو رسالة ضمنية تقول: “الأمل نفسه بات جريمة”. والخطورة أن تتحول هذه القناعة إلى قناعة عامة، لأن الأوطان التي لا تسمع أبناءها، تضيع مستقبلها قبل أن تضيعهم.




