الإعلانات الظاهرة على هذه المنصة تُعرض تلقائياً عبر خدمة Google AdSense، وهي الممول الإعلاني الوحيد لمنصتنا الإلكترونية، ولا تعبّر بالضرورة عن توجهاتنا أو مواقفنا

سياسةمجتمع

حين يتحوّل “التريتور” إلى صانع جماهير… سياسة بالوجبات السريعة!

ضربة قلم

لم يعد “التريتور” في المغرب مجرد مهنيّ ينشغل بتزيين الموائد، وترتيب الصحون، وتحضير المشروبات، وتنظيم البروتوكول داخل الأعراس والحفلات العائلية. فقد تمدّدت وظيفته في السنوات الأخيرة لتلامس مناطق كانت، إلى عهد قريب، من اختصاص الأحزاب والهيئات السياسية: حشد الجماهير، وملء القاعات، وتوفير “الحضور” عند الطلب.

هذا التحوّل لم يأتِ من فراغ، بل تشكّل على مهل، في ظل أزمة ثقة عميقة بين المواطن والسياسة، وتراجع الإقناع الإيديولوجي، وتبخّر التنظيم الحزبي الكلاسيكي. ومع هذا الفراغ، وجدت بعض شركات “التريتور” طريقاً سالكة نحو سوق جديدة، مربحة، لا تحتاج رأسمالاً كبيراً بقدر ما تحتاج إلى شبكة علاقات، وقليل من “الخبرة” في إدارة الطوابير.

من تزيين الطاولات إلى تزيين المنصّات السياسية

في كثير من اللقاءات السياسية، خاصة على المستوى الإقليمي، أصبح المنظّم يعتمد على “التريتور” ليس فقط لتأمين المأكل والمشرب، بل لتأمين “رؤوس بشرية” تُظهر أن الحزب محبوب، وأن المرشّح قادر على ملء القاعات، وأن الرسالة وصلت إلى الناس.

السؤال البسيط: من أين تأتي هذه “الجماهير”؟

الجواب الأكثر بساطة:
تأتي من سجلّ خاص لدى التريتور، فيه قوائم طويلة من “الحضور الجاهز”، أشخاص يمكن التواصل معهم في أي لحظة، يتمّ استقدامهم بالحافلات، ويُطلب منهم الجلوس والاستماع والتصفيق في الموعد المحدد… ثم المغادرة في الوقت المحدد أيضاً.

وفي نهاية اليوم، كل رأس محسوب.

فاتورة رأس… مثل فاتورة طبق

نعم، المسألة وصلت إلى هذا الحد:
تماماً كما يُفَوَّتُ حساب كل طبق من الدجاج، وكل لتر من العصير، أصبحت بعض اللقاءات الحزبية تُحتسب فيها عدد الرؤوس البشرية ضمن الفاتورة، وكأننا أمام “كاطالوك” خدمات:

  • 100 مشارك: ثمن معيّن

  • 200 مشارك: سعر أفضل

  • 500 مشارك: خصم خاص

  • 1000 مشارك: “باك” كامل يشمل الحافلات، والماء، وبعض التصفيقات الإضافية

والأغرب أن بعض المنظّمين يميّزون بين “رأس عادي” و”رأس فعّال”؛ فالأول يحضر فقط، والثاني يوافق على التصفيق عند كل جملة، والوقوف عند كل شعار، والهتاف عند الضرورة. طبعاً الثمن يختلف.

هكذا تحوّلت السياسة، في بعض المناطق، إلى حفل ممول، والحضور إلى سلعة، والتجمّع الخطابي إلى استعراض مدفوع الأجر.

حين يختفي التنظيم الحزبي… يظهر التريتور

الأحزاب التي كانت تُسيّر بها الجموع يوماً -بفضل برامج واقعية، وشخصيات مقنعة، وجيش من المتطوعين المؤمنين بالمشروع السياسي- أصبحت اليوم عاجزة حتى عن ملء قاعة متوسطة دون “مساعدة تقنية”.

لماذا؟

  1. لأن التنظيمات المحلية ضعفت.

  2. ولأن المواطن لم يعد يثق في السياسيين.

  3. ولأن الاقتراع لم يعد مرتبطاً بالاقتناع، بقدر ما صار مرتبطاً بـ“الشبكات” و“النفوذ” و“حملات الواجهة”.

  4. ولأن بعض الأحزاب لا تملك الوقت -الجهد- للبحث عن العناصر المؤهلة للنزول إلى الميدان، فتلجأ إلى الحل الأسرع… والجاهز: التريتور.

هذا الأخير يقدّم “خدمة متكاملة”:
يجلب الحضور، يملأ الكراسي، يضمن شكلاً محترماً للقاء، ثم يخرج، وكأنه لم يكن جزءاً من المشهد السياسي، مع أنه أصبح أحد أهم أركانه في الكواليس.

النتيجة: مشهد سياسي بلا نبض

حين تُستقدم الجماهير بالحافلات، مقابل تعويض بسيط أو وجبة، وحين يتحوّل الحضور السياسي إلى “خدمة” تُشترى وتُدفع قيمتها ضمن فاتورة التريتور… حينها تختفي الحقيقة التالية:

لا أحد يستمع.
لا أحد يتأثر.
لا أحد يتفاعل.
ولا أحد يخرج من القاعة وهو يفكّر في التغيير.

ما يحدث هو تمثيل سياسي، لا مشاركة سياسية.

المرشّح يخطب، والجمهور “الجاهز” يتظاهر بالاستماع، ثم يغادر الجميع… ويُرفع تقرير جميل إلى القيادة الحزبية:

“لقاء ناجح حضره أكثر من 500 مواطن”.

وكأن النجاح أصبح رقمًا في فاتورة، لا قناعة في العقول.

التريتور… وسيط بين السلطات والسياسة

بعض منظمي الحفلات أصبحوا يشبهون “وكلاء نفوذ محليين”، يعرفون “من يحشد من”، “ومن يحضر أين”، و“كم يكلف هذا وذاك”. والأخطر أنهم أصبحوا طرفاً غير مرئي يتحكّم في أشكال التعبئة الإقليمية، ويستفيد من هشاشة البنية الحزبية.

ومع مرور الوقت، صار بعض المسؤولين يعتمدون على هذه الشبكات لتلميع صورة عملهم، أو لإنجاح لقاءاتهم، أو لإعطاء انطباع بأنهم قريبون من الناس.

وهكذا تمت صياغة معادلة جديدة:
كلّما ضعفت الأحزاب… تقوّى التريتور.
وكلما تراجع العمل السياسي… ازدهرت “صناعة الحشود”.

الغائب الأكبر: المواطن الحقيقي

كل هذا يحدث بينما المواطن العادي، الذي كان يُفترض أن يكون مركز الحياة السياسية، أصبح مجرد رقم في حسابات:

  • تارة رقم انتخابي

  • تارة رقم في تقرير حزبي

  • وتارة “رأساً” في فاتورة تريتور

في مشهد يبدو أقرب إلى المسرح منه إلى السياسة، يظلّ السؤال الأهم:
كيف يمكن لبلد أن يصنع حياة سياسية سليمة، إذا كانت الجماهير تُستقدم مثل مقاعد بلاستيكية؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.