الإعلانات الظاهرة على هذه المنصة تُعرض تلقائياً عبر خدمة Google AdSense، وهي الممول الإعلاني الوحيد لمنصتنا الإلكترونية، ولا تعبّر بالضرورة عن توجهاتنا أو مواقفنا

مجتمع

حين يتحوّل “المناضل” إلى سمسار محترف… وطنٌ للبيع وقضايا تُؤجَّر بالساعة!

ضربة قلم

في هذا الزمن العجيب، لم يعد النضال يحتاج إلى تضحية، ولا إلى سجون، ولا حتى إلى مبدأ محترم… يكفي فقط حسابٌ على مواقع التواصل، وصوت مرتفع، وبعض الصور “المناضلة” بالأبيض والأسود، ليولد لنا بطلٌ حقوقي جديد، جاهز للاستثمار في آلام الناس بالجملة والتقسيط.

لقد ظهرت فئة عجيبة من البشر، تستطيع أن تحوّل أي مأساة إلى مشروع شخصي مربح.
طفلٌ يبكي؟ فرصة للظهور.
مظلومٌ يصرخ؟ مناسبة لصناعة “البوز”.
ملف اجتماعي مشتعل؟ يا سلام… هنا تبدأ حفلة البيانات والتدوينات والندوات والصور التذكارية.

بعضهم يتحدث عن الكرامة الإنسانية، وكأنه خرج للتو من كتاب فلسفي قديم، لكنه في الواقع لا يرى الإنسان، إلا بطاقة عبور نحو الشهرة أو النفوذ أو الصفقات الخلفية.
إنهم مناضلو “الواي فاي”: يشعلون الحماس بالكلمات الرنانة، ثم يختفون فور انقطاع الإشارة أو توقف التمويل.

والأطرف من ذلك، أن بعض تجار القضايا صاروا يملكون قدرة خارقة على تغيير المواقف بسرعة الضوء.
فالمبدأ عندهم مطاطي، يتمدد حسب المصلحة، وينكمش حسب حجم الامتيازات المعروضة على الطاولة.
فإذا كان الخصم بعيدًا عن السلطة، صرخوا: “الاستبداد!”
وإذا اقتربوا هم من الكراسي… أصبح الاستبداد “وجهة نظر قابلة للنقاش”.

أما في السياسة، فحدث ولا حرج.
هناك من يبيعك خطاب الثورة صباحًا، ثم يفاوض على المناصب مساءً، ويختم يومه بصورة مع من كان يصفهم قبل ساعات بـ”أعداء الشعب”.
السياسي الانتهازي لا يعيش على المبادئ، بل على مهارة تغيير الأقنعة دون أن يسقط الماكياج.

وفي المجال الحقوقي، تحوّل بعض “المناضلين” إلى سماسرة محترفين في تسويق المآسي، وحتى في الوساطة في المستفيدين من المأذونيات وزبنائهم…
يتحدثون عن الفقراء، أكثر مما يتحدث الفقراء أنفسهم، ويستثمرون في القهر، بطريقة تجعل البؤس يبدو كأنه شركة ناشئة قابلة للتوسع والاستثمار.

إنهم لا يبحثون عن الحلول، لأن الحلول تقتل تجارتهم.
هم يحتاجون دائمًا إلى ضحية جديدة، وغضب جديد، وهاشتاغ جديد، حتى تستمر العجلة في الدوران.
فالمناضل الحقيقي يقلقهم، لأنه يعمل بصمت… بينما هم يحتاجون دائمًا إلى أضواء وكاميرات وتصفيق.

والمؤسف أن بعض الناس ما زالوا يخلطون بين كثرة الصراخ وصدق المواقف.
مع أن التاريخ علمنا أن أعلى الأصوات ليست دائمًا أنقى الضمائر.
فكم من شخص حمل لافتة الدفاع عن الشعب… وكان أول من يبيع الشعب عند أول منعطف.

لقد أصبح بعض النضال يشبه تجارة موسمية:
في الصباح حقوقيٌّ يتحدث باسم الشعب،
وفي الزوال مُشعِلَ فتنٍ محترفًا، ينفخ بين هذا وذاك معتقدًا أنه الأذكى والأدهى،
وبعد الظهر ثوريًّا يوزع الشعارات بالجملة،
وفي المساء سمسارَ علاقاتٍ عامة يبحث عن “الصفقة الوطنية الكبرى”.

باختصار:

لم يعد الخطر فقط في الفساد الذي يرتدي ربطة عنق… بل أيضًا في الفساد الذي يحمل مكبر صوت، ويتحدث باسم الفضيلة طوال الوقت.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.