حين يتحوّل فضح الفساد إلى جريمة: نحن متهمون لأننا لم نصمت

محمد صابر
يؤكد المنشور أنه لسنوات طويلة، كان أساتذة وطلبة جامعة ابن زهر – بأكادير تحديدًا – يرفعون أصواتهم، يكتبون، يحتجون، وينادون بضرورة تطهير المؤسسة من بؤر الفساد التي عششت في مفاصلها. كانوا ينادون، لا بإسقاط أشخاص بعينهم، بل بإرساء منظومة شفافة، تحترم الكفاءة وتضع حدًا لتجار الشواهد الذين حولوا بعض الماسترات إلى بضاعة تباع في الكواليس، لا عبر ملفات الترشح بل عبر “الزبونية، والقرابة، وأحيانًا الأظرفة”.
لكن بدل أن تفتح الدولة تحقيقًا جديًا، وبدل أن تُوجّه بوصلة المحاسبة نحو من سُمي إعلاميًا بـ”إيسكوبار الماسترات”، تم معاقبة الضحايا أنفسهم. نعم، عوقب الأساتذة النزهاء الذين كشفوا المستور، وضُيِّق الخناق على كل صوت حر داخل الجامعة. أما الطلبة الذين تجرأوا على الحديث عن بيع المقاعد في سلك الماستر أو المحسوبية في التقييم، فإما طُردوا، أو تم تهديدهم، أو أُدخلوا في متاهات تأديبية.
من جامعة العلم إلى قلعة الريع
لم تعد الجامعة ذلك الفضاء الحر الذي ينتج الفكر والنقد ويهيّئ الأجيال لقيادة التغيير. بل أضحت، في بعض أروقتها، فضاءً مُصادرًا، تسيّره تحالفات خفية بين مسؤولين إداريين وبعض الفاعلين السياسيين المحليين، حيث تُوزع المناصب كغنائم، ويُستثمر النفوذ الجامعي لخدمة مصالح حزبية أو حتى عائلية.
والمثير أن من دافعوا عن شرف الجامعة، ورفضوا الرضوخ للعبة، أُخرجوا من اللائحة، أو تم تجميد ترقياتهم، أو استُهدفوا بأشكال مختلفة. لقد أصبحت الجملة الشائعة داخل الحرم الجامعي: “إياك أن تفتح فمك، فهنا تسود ثقافة الانتقام”.
الصحافة الحرة في مرمى التصفيات
والأدهى من ذلك، أن هذا الفساد المسكوت عنه لا يُزعجه سوى صوت الصحافة الحرة. تلك الصحافة التي لا تُطبّل، والتي لا تقبض ثمن صمتها. نحن – ومن خلال تجربة صحفية ناهزت الأربعين سنة – كنا شهودًا على هذا التحول الخطير. دفعنا ثمن أقلامنا عبر المحاكمات،
حاولوا خلال الآونة الأخيرة جاهدين جرّنا إلى شبهات فظيعة تتعلق بالاغتصاب، عبر تحريض أذناب المخزن لتوريطنا في ملفات مشبوهة ومركبة عن سبق إصرار، لكنهم فشلوا.
لقد دفعنا ثمن أقلامنا عبر محاكمات متتالية، ووجدنا أنفسنا في قلب قضايا ملفقة تتعلق بمحاولة بالمساس بالشرف والكرامة، فقط لأننا اخترنا أن نكتب الحقيقة… لا أن نغني على إيقاعهم.
هل يُعقل أن تتحول الاتهامات بسخونة الرأس إلى وسيلة انتقام ضد صحافي فقط لأنه فضح المتورطين في الفساد؟
هل بلغ الانحدار أن تُطبخ الملفات في الظلام، ويتم تحريك أذناب المخزن لتشويه السمعة؟ أين هي حماية الصحافي من التشهير والانتقام؟ أليست حرية التعبير جزءًا من الدستور الذي يتغنون به صباح مساء؟
رأسك ساخن؟ إذًا أنت مجرم محتمل
في هذا الوطن، لا يُسمح لك أن يكون “رأسك سخون”. إن رفعت صوتك ضد العبث، فأنت متمرد، وإن كتبت ضد من يبيعون الشواهد أو المناصب، فأنت مغرِض، وإن طالبت بتفعيل المحاسبة، فأنت خائن. نحن متهمون بـ”السخونية الزايدة”، وكأن هذه تهمة تُعاقب عليها المحاكم. بل أكثر من ذلك، لا نستبعد أن تُلفّق لنا تُهم لا يعلمها إلا الله وأصحاب القرار، لأننا فقط رفضنا الانخراط في جوقة المصفقين.
لقد وصلنا إلى مرحلة تُختزل فيها الدولة في أسماء وشبكات، حيث يصبح الحديث عن النزاهة مخاطرة وجودية، ويصير النقد جريمة وطنية. فكيف نُطالب المواطن بالثقة في مؤسساته، والفساد يعشش في أعز ما نملك: جامعاتنا وقضائنا وأحزابنا؟
حين تختلط السياسة بالجريمة
وإذا أردت أن ترى قمة العبث، فانظر إلى من يُقدمون أنفسهم كحماة للتنمية والكرامة وهم في ذات الوقت متهمون في قضايا مخدرات صلبة، أو موضوع مذكرات بحث دولية، لكنهم مع ذلك يحملون بطائق برلمانية أو حزبية من “الحزب الحاكم”، ويُمنح لهم حق الترشح والتكلم باسم المواطنين.
هؤلاء لا يخجلون من ماضيهم، بل يعتبرونه مؤهلاً، ويجدون من يحتفي بهم، ويوفر لهم “مظلة حزبية” تقيهم المحاسبة. هذه ليست مبالغة، بل واقع موثق بالأسماء والصور. فمتى كان النضال السياسي يُقاس بعدد الأحكام القضائية؟ ومتى صار الاتجار في الممنوعات سُلّمًا للوصول إلى المجالس المنتخبة؟
خاتمة مؤقتة… لأن الحكاية لم تنتهِ بعد
نكتب اليوم، وقد نُستدعى غدًا. نُحاكم اليوم بتهمة الرأي، وغدًا ربما يُقال إننا “تحرشنا بالكلمات”، أو “اغتصبنا المعنى”، أو “روّجنا للوعي الزائد”.
لكننا نعرف أن التاريخ لا يُرحم، وأن الوطن ليس حظيرة، وأن الحق لا يُفصّل على مقاس المفسدين.
فليحاكمونا إذن، وليتهمونا بما شاؤوا… لكننا لن نستعبد العبيد.
لقد أنهكتنا مناوراتهم، استنزفونا في المحاكم طيلة اعوام خلت، طاردونا في الشوارع، دسّوا التهم في الظلام، وأطلقوا ألسنة الذباب كي تنهش سمعتنا… لكنهم فشلوا.
فشلوا لأننا لا نُباع ولا نُشترى، لأننا لا نُساوم على الوطن، ولا نُوقّع على الصمت. فشلوا لأننا لم نكن يومًا طلاب مناصب ولا متسولين لرضاهم، بل كنا وما زلنا جنودًا في صف الحقيقة، أقلامنا بنادق، وكلماتنا نار تحرق الأقنعة.
نحن لم نولد في حضن الزيف، بل في العراء، في الهامش، في الزنقة التي تربي الرجال لا العبيد.
وإذا كان قدرنا أن نُحاكم لأننا كتبنا، فليكن.
وإذا كانت حريتنا تؤلمهم، فليتألموا.
أما نحن، فلن نركع إلا حين ندفن أحياءنا ونكتب أسماءهم في ذاكرة هذا الوطن.




