الإعلانات الظاهرة على هذه المنصة تُعرض تلقائياً عبر خدمة Google AdSense، وهي الممول الإعلاني الوحيد لمنصتنا الإلكترونية، ولا تعبّر بالضرورة عن توجهاتنا أو مواقفنا

مجتمع

حين يتقاسم اللصوص الغنيمة… ويترك الضمير أصحابه في محراب العدل

م-ص

معلوم أن اللصوص يتضامنون فيما بينهم، وكأن بينهم ميثاقًا خفيًا لا يحتاج إلى توقيع ولا إلى عهد مكتوب. إنهم يعرفون كيف يحمون بعضهم، كيف يخفون آثار جريمتهم، وكيف يوزّعون الأدوار بينهم في ليلٍ كثيف لا يراه أحد. ولسنا هنا بصدد الحديث عن كبار الناهبين الذين يختبئون خلف أرقام الشركات والصفقات والعقود الموقّعة في صمت المكاتب المكيّفة، بل عن أولئك الصغار الذين يقتاتون من الهامش، من سرقة خبزٍ يابسٍ، أو هاتفٍ مستعمل، أو بقايا ما يتركه الآخرون. إنهم أيضًا -رغم صِغَر شأنهم- ينسجون خيط تضامن عجيب، يدافعون فيه عن بعضهم كأنما يجمعهم مصير واحد.

لكن على الضفة الأخرى، هناك وجوه أخرى، وجوه الضحايا الذين ابتلعوا الغصص مرارًا، والذين شربوا من كأس الظلم حتى الثمالة. هؤلاء لا يملكون شبكة حماية، ولا ترف التضامن المصلحي، بل يعيشون عزلاء في مواجهة قسوة الحياة، بقلوبٍ مفتوحة لكل سهمٍ يُرمى عليهم. ومع ذلك، فإنهم لا يفقدون جوهر إنسانيتهم، بل يصرّون على أن يحملوا في صدورهم ضمائر حيّة، قادرة على أن ترى العالم بعين الآخر، وأن تشعر بجراحه كما لو كانت جراحها.

إن أصحاب هذه الضمائر هم الذين يعطون للحياة معناها الحقيقي. هم الذين يقفون عند تقاطع الألم، فلا يشيحون بوجوههم، بل يتخيّلون أنفسهم في موضع الضعيف، في مقام المهمّش، في مكان المقهور. يُدركون أن العدل ليس نصًّا في دستور ولا حكمًا صادرًا من قاضٍ، بل هو فعل يومي، اختيار داخلي، امتحان ضمير. ولهذا فهم أبدًا لا يكونون أغلبية، بل قلّة، لكن هذه القلة كالمصابيح الصغيرة التي تضيء ليلًا لا ينتهي.

وما أندر أن ترى اليوم إنسانًا يتقدّم ببطء وسط زحام الحياة، حاملاً قلبه كوعاء ممتلئ بالرحمة، غير آبه بتيار المصلحة الذي يجرف كل شيء. هؤلاء الذين يعرفون كيف يتألّمون بصدق لأجل الآخرين، كيف يقفون مع المظلوم بلا حسابات، وكيف يجعلون من مواقفهم شهادة حية على أن الضمير، وإن هُزم في المعارك الكبرى، فإنه لا يموت.

فاللصوص، صغارًا كانوا أو كبارًا، يملكون لغة واحدة: لغة الغنيمة وتقاسم الغنيمة. أما أصحاب الضمائر الحية، فلغتهم صامتة، لكنها أكثر صدقًا: لغة العدل الداخلي، والوفاء الإنساني، والرغبة الدائمة في أن يُصبح العالم أكثر احتمالًا للضعفاء. هؤلاء لا يربحون ذهبًا، لكنهم يربحون نقاءً يلمع في أرواحهم كأنّه كنز لا يُسرق.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.