مجتمع

حين يتلعثم الوزير… وتنجح الأمية؟

ضربة قلم

في بلدٍ تُعتبر العربية لغته الرسمية، والدارجة لغته اليومية، والفرنسية لغته الإدارية، والإنجليزية لغته المستقبلية، لم نعد نعرف أي لغة نتكلم، ولا بأي لسان نتعثر. آخر الكوارث اللغوية جاءت من فم وزير التعليم الأولي والرياضة، السيد محمد سعد برادة، الذي منحنا مصطلحًا جديدًا يُضاف إلى قاموس “اللغة البرادية المعاصرة”: كلمة “النجوح”.

نعم، “النجوح”، على وزن “الفشوح” و”الفضوح”. نطقها الرجل بكل ثقة أمام الكاميرات، وكأن لسانه خرج في نزهة دون إذنه. ربما كان يقصد النجاح، وربما كان يتنبأ بشيء آخر… فالمواطن المغربي، منذ زمن بعيد، يعيش في مرحلة “النجوح”: نجوح في التعليم، نجوح في الصحة، نجوح في النقل… بل حتى في الأسعار التي “تنجح” كل يوم إلى الأعلى.

قد نغفر للوزير زلّة لسان واحدة لو كانت من باب التعب، أو نتيجة نقص في النوم، أو لأن الميكروفون كان فيه “تشويش نحوي”، لكن المشكلة أن زلاته أصبحت مثل مباريات الدوري المغربي: أسبوعية ومفتوحة على المفاجآت.
الرجل يتحدث وكأنه خرج للتو من قسم محو الأمية الذي لم يمحُ شيئًا، بل ربما أضاف فصولًا جديدة إلى مقرراتها.

ومع ذلك، لنكن منصفين، فربما أراد سيادته أن يُبدع، وأن يُدخل إصلاحًا لغويًا جديدًا ضمن إصلاحات التعليم: الانتقال من “النجاح” إلى “النجوح”، ومن “التعثر” إلى “التعطير”، ومن “الأمية” إلى “الأمومية”! من يدري؟ فقد يصبح “النجوح” يومًا ما مادة دراسية في مناهج الجيل الأخضر: “مادة التعبير البرّادي”.

الأمر لا يتعلق بمجرد نطقٍ خاطئ، بل بعرض مسرحي مستمر عنوانه “من فم الوزير إلى كتاب النحو”، حيث يجتمع الشعب على مواقع التواصل لتصحيح الدروس لمن يُفترض أنه وزير التعليم!
تخيلوا المفارقة: الشعب يشرح، والوزير يراجع، والعربية تئنّ في قبرها بين “نجوح” و”فشوح”.

يبدو أن الرجل قد أصيب بعدوى “اللغة الحكومية”، وهي لغة هجينة لا تخضع لقواعد النحو أو المنطق أو حتى الواقع. فحين يقولون “إصلاح التعليم”، يقصدون “رفع الأسعار”، وحين يقولون “الارتقاء بالمستوى”، فهم يعنون “نزول المؤشرات”. لذلك، فـ”النجوح” في لسان الوزير ليس سوى ترجمة صادقة للواقع التعليمي: نجاحٌ لا يشبه النجاح، بل ظله المكسور في مرآة البلاغات الرسمية.

ربما كان من الأجدر أن نُعيد وزير التعليم الأولي إلى التعليم الأولي فعلاً، حيث يتعلم الأبجدية من جديد، ويردد مع الصغار “ألف باء تاء ثاء”، حتى لا نسمع منه مستقبلاً عن “النجوح” في محاربة الأمية، في وقتٍ يحتاج هو نفسه إلى شهادة في النطق السليم.

ولأننا شعب طيب بطبعه، لن نلوم الوزير كثيرًا. نحن فقط سنطلب منه أن يُعلن مشروعًا جديدًا:
“برنامج النجوح الوطني”، بشعار أنيق من نوع “اللي ما نجحش ينجوح!”، وتمويل مفتوح من صندوق محاربة الجهل اللغوي.

إلى ذلك الحين، سيظل “النجوح” رمزًا لعصرٍ نحتاج فيه إلى معلمٍ لتصحيح أخطاء الوزراء، لا إلى وزيرٍ لتقييم المعلمين.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.