الإعلانات الظاهرة على هذه المنصة تُعرض تلقائياً عبر خدمة Google AdSense، وهي الممول الإعلاني الوحيد لمنصتنا الإلكترونية، ولا تعبّر بالضرورة عن توجهاتنا أو مواقفنا

مجتمع

حين يحترق السوق… وتحترق معه ذاكرة طنجة

ضربة قلم

لم يكن صباح اليوم الإثنين في طنجة عاديًا. فالنار التي التهمت قيسارية بني مكادة لم تأكل فقط الأخشاب والبضائع والأقمشة، بل التهمت معها قطعة من ذاكرة المدينة. في دقائق معدودة، صار المكان الذي كان ينبض بالحياة أشبه برماد صامت، كأن السوق فقد صوته فجأة.

الحريق، مهما كانت أسبابه التقنية، ليس مجرد خبر عابر في نشرات الأخبار. هو مشهد يلخّص هشاشة فضاءاتنا الشعبية أمام أبسط شرارة. ففي تلك القيسارية، حيث تختلط أيادي الخياطين بروائح العطور الرخيصة وصراخ الباعة، يعيش مئات الأسر على فتات التجارة اليومية. واليوم، كل تلك العائلات وجدت نفسها معلّقة في الفراغ: لا بضاعة ولا محل ولا ضمان اجتماعي يعوّض خسائرها.

من يقف أمام الركام في طنجة لا يسأل فقط: كيف اندلع الحريق؟ بل: لماذا تتكرر الحرائق في أسواقنا الشعبية؟
أهو ضعف في البنية التحتية؟ غياب لمخارج الطوارئ؟ أم إهمال مزمن من السلطات في مواكبة أماكن يرتادها الآلاف يوميًا؟

الأكيد أن رجال الوقاية المدنية، كالعادة، جاهدوا لإخماد النار. لكنهم، مهما بذلوا من مجهود، يصلون متأخرين عن معركة غير متكافئة: محلات متلاصقة، أسلاك كهرباء عشوائية، وغياب شروط السلامة.
وكأننا أمام قدر محتوم، تتكرر فصوله كل عام في مدينة أو أخرى.

وسط كل هذا، يظل المشهد الأكثر قسوة هو وجوه التجار الصغار: رجل في الخمسين يبكي لأنه فقد ثمن عُمره في ساعات، شاب عاطل كان يخطو أولى خطواته في تجارة بسيطة، وامرأة أرملة كانت تدبّر قوت أبنائها من محل صغير. هؤلاء هم الخسائر الحقيقية، وليس فقط البضاعة المحترقة.

قد ينتهي الخبر في المواقع بعبارة: “فتح تحقيق لمعرفة أسباب الحريق”. لكن المقال هنا لا يريد أن ينتهي كذلك. لأن القيسارية ليست مجرد جدران سوداء، بل مرآة لسؤال أكبر: إلى متى ستبقى أسواقنا الشعبية تعيش تحت تهديد النار، من دون أن نتعلم شيئًا من كل حريق سابق؟

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.