الإعلانات الظاهرة على هذه المنصة تُعرض تلقائياً عبر خدمة Google AdSense، وهي الممول الإعلاني الوحيد لمنصتنا الإلكترونية، ولا تعبّر بالضرورة عن توجهاتنا أو مواقفنا

مجتمع

حين يختفي الرصيف… تبدأ المدينة في فقدان نفسها

عبد الإله بوسيف/ ألمانيا

في المدن المغربية، لا تضيع الحكاية في الشوارع الكبيرة، ولا في الساحات الواسعة… بل في التفاصيل الصغيرة التي لا ينتبه إليها أحد. تبدأ القصة من خطوة عادية، من قدم تبحث عن مكان آمن تمشي فيه… فلا تجد. وعندها، لا يبقى الرصيف مجرد إسمنت، بل يتحول إلى سؤال: لمن هذه المدينة أصلًا؟

الرصيف الذي لم يعد رصيفًا

كان الرصيف فكرة بسيطة: مساحة صغيرة للإنسان، حدّ أدنى من الكرامة الحضرية، فاصلة هادئة بين هشاشة الجسد وسرعة الحديد.
لكن هذه الفكرة، مع الوقت، بدأت تتآكل… لا بضربة واحدة، بل بتنازلات يومية صغيرة.

طاولة هنا، صندوق هناك، مظلة تمتد قليلاً، بضاعة تخرج “غير شوية”… ثم “شوية أخرى”.
ومع مرور الأيام، لا يعود الرصيف كما كان، بل يتحول إلى شيء آخر: سوق بلا اسم، بلا لافتة، بلا ترخيص… لكنه قائم، نابض، ويفرض نفسه.

ليس زحفًا عدوانيًا بقدر ما هو تسلل هادئ، يشبه الماء حين يجد شقًا صغيرًا في الجدار.

انقلاب الأدوار

في لحظة ما، دون إعلان، يحدث التحول الكبير:
الرصيف يُحتل… والطريق يُستعار.

المارّة، الذين خُصص لهم الرصيف، يجدون أنفسهم فجأة في قلب الطريق، يناورون السيارات، يختبرون حظهم مع السرعة، ويتعلمون المشي بنصف انتباه ونصف خوف.

تصبح الصورة مألوفة إلى حد الصدمة:
طفل يُسحب بسرعة بين السيارات،
شيخ يتوقف عند كل خطوة، كأنه يفاوض الزمن،
وأم تدفع عربة رضيعها بعين على الطريق… وأخرى على المجهول.

أما خلف هذا المشهد، فالحياة مستمرة: البيع قائم، الحركة نشيطة، وكأن المدينة، قررت أن تتعايش مع هذا الاختلال… أو ربما استسلمت له.

اقتصاد يمشي على قدميه

الغضب من هذا الواقع سهل، لكن فهمه أصعب.

ما يحدث على الأرصفة ليس مجرد فوضى، بل انعكاس لاقتصاد كامل يتحرك خارج الأرقام الرسمية.
البائع الذي يحتل زاوية من الرصيف لا يرى نفسه مخالفًا، بل شخصًا يبحث عن يومه.
وصاحب المحل الذي يمد نشاطه إلى الخارج، لا يفكر في تشويه الفضاء، بل في النجاة وسط منافسة قاسية وتكاليف لا ترحم.

هكذا تتحول المدينة إلى مفاوضة صامتة على السنتيمترات:
كل واحد يقتطع جزءًا صغيرًا من الفضاء العام…
إلى أن يختفي هذا الفضاء نفسه.

حين تصبح الفوضى عادة

الخطر الحقيقي، لا يكمن في الفوضى، بل في التعود عليها.

الطفل الذي يكبر وهو يمشي في الطريق بدل الرصيف، يتعلم دون أن يشعر أن القاعدة، ليست قاعدة.
السائق الذي يناور المارة، كأنهم جزء من الطريق، يفقد تدريجيًا إحساسه بحدود المسؤولية.
والمجتمع ككل… يتأقلم.

شيئًا فشيئًا، تفقد المدينة قدرتها على الرفض، ثم قدرتها على الإحساس أصلًا.
تصبح الفوضى منظرًا عاديًا، مثل عمود كهرباء أو إشارة مرور… لا تُطرح حوله الأسئلة.

المدينة ليست إسمنتًا

المدينة، في جوهرها، ليست طرقًا ولا بنايات.
هي اتفاق غير مكتوب بين الناس: أن نحترم بعضنا، أن نترك لكل واحد مساحته، أن نثق أن هذا الفضاء يتسع للجميع.

والرصيف، رغم بساطته، هو التعبير اليومي عن هذا الاتفاق.

حين يختفي الرصيف، لا يختفي فقط ممر المشاة، بل يختفي شعور خفي بالأمان، إحساس بسيط، بأنك تنتمي إلى مكان يحميك… لا يدفعك إلى المخاطرة بنفسك.

ليس صراعًا… بل اختلال توازن

القضية ليست مواجهة بين بائع ومارّ، ولا بين نشاط اقتصادي وقانون.
بل هي اختلال في التوازن.

مدينة لا توفر بدائل حقيقية للبائع، من خلال تنظيمه في سوق جماعي، ستدفعه إلى الرصيف.
ومدينة لا تحمي حق المرور، ستدفع المواطن إلى الطريق.

والنتيجة: صراع صامت بين حقين مشروعين…
حق في العيش، وحق في السلامة.

الحلم الممكن

الحل ليس في المطاردة، ولا في القمع، ولا في ترك الأمور تنفلت أكثر.
الحل يبدأ من فكرة بسيطة: إعادة التوازن.

أن يجد البائع مكانًا يشتغل فيه بكرامة، دون خوف أو مطاردة.
وأن يجد المواطن رصيفًا، يمشي عليه، دون أن يشعر أنه يغامر بحياته.

ليس هذا حلمًا كبيرًا… بل حد أدنى من مدينة تُحترم فيها الحياة.

في النهاية، المدينة العادلة ليست التي تختار طرفًا ضد آخر،
بل التي تنجح في أن تفسح المجال للجميع… دون أن يدفع أحد الثمن بحياته أو كرامته.

لأن الرصيف، في النهاية، ليس مجرد إسمنت.
إنه الخط الرفيع بين الفوضى… والإنسان.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.