الإعلانات الظاهرة على هذه المنصة تُعرض تلقائياً عبر خدمة Google AdSense، وهي الممول الإعلاني الوحيد لمنصتنا الإلكترونية، ولا تعبّر بالضرورة عن توجهاتنا أو مواقفنا

دفاتر قضائية

حين يذهب السكان إلى التراويح… يذهب اللصوص إلى التوظيف المؤقت بالمنازل

ضربة قلم

يبدو أن بعض محترفي “الاجتهاد الليلي” بإقليم شفشاون، قرروا أن يمنحوا لشهر رمضان، تفسيراً خاصاً بهم: فبدل أن يكون موسماً للعبادة والتقوى وتصفية القلوب، حوّلوه – بكل وقاحة – إلى موسم مفتوح لـتصفية المنازل من محتوياتها. وبين ركعة وأخرى من صلاة التراويح، تُفرغ البيوت من الأثاث والأغراض، وكأن أصحابها قرروا فجأة الهجرة دون إشعار مسبق.

فخلال الأسابيع الأخيرة، رفعت عناصر الدرك الملكي من درجة التأهب القصوى، بعدما تحوّلت بعض دواوير ضواحي شفشاون، إلى ما يشبه مسرحاً لعمليات سرقة منظمة، تُنفَّذ بدقة جراحية وفي توقيت “روحاني” محسوب: وقت التراويح، حين يخرج السكان تاركين منازلهم، في عهدة الجدران، والأقفال وحسن النية.

ووفق معطيات متطابقة (وهي عبارة مهذبة تعني: الكل يعرف ما يقع)، فإن هذه السرقات، خلفت موجة قلق حقيقية وسط الساكنة، خصوصاً بالمناطق الجبلية المعزولة، حيث لا كاميرات مراقبة، ولا إنارة كافية، ولا جيران يسهرون، سوى بعض القطط الليلية… وبعض اللصوص الأكثر نشاطاً من القطط نفسها.

وفي واحدة من الوقائع التي تصلح لأن تكون درساً في “استغلال الفرص”، تعرض منزل بدوار عنقود التابع لجماعة واد المالحة بني أحمد لعملية سرقة شاملة، وكاملة الدسم: لا شيء تُرك في مكانه تقريباً. صاحب البيت خرج للصلاة بنية التقرب إلى الله، فعاد ليجد أن مجهولين تقربوا من ممتلكاته أكثر منه.
وفور التبليغ، حلت عناصر الدرك ،بعين المكان، مدعومة بالشرطة العلمية، فتم رفع البصمات، وجمع الأدلة التقنية، ومحاولة استنطاق الجدران، والأبواب والنوافذ، عسى أن تعترف هذه الأخيرة، بهوية الزوار غير المرغوب فيهم.

وتندرج هذه التحركات الأمنية، في إطار مجهودات بعد توالي الشكايات من دواوير متعددة، حيث أكدت مصادر محلية، أن اللصوص لا يشتغلون بعشوائية، بل يعتمدون أسلوب “المراقبة القبلية”: يراقبون تحركات السكان، يتأكدون من خروجهم إلى الصلاة، ثم ينقضّون على المنازل، كما ينقض الصقر على فريسته، دون خشية من آذان، أو دعاء، أو حتى سوء الطالع.

وفي سياق موازٍ، نجحت مصالح الدرك مؤخراً في توقيف شاب بمركز باب برد، يشتبه في تورطه في عشرات السرقات، التي استهدفت منازل بالمنطقة. والمفارقة الساخرة هنا، أن المعني بالأمر من ذوي السوابق القضائية، وكان قد غادر السجن حديثاً، وكأنه خرج بعقد عمل غير مكتوب مع نفسه: “العودة إلى النشاط فور الإفراج”.
وهو ما يعيد إلى الواجهة سؤالاً قديماً جديداً: هل السجن محطة إصلاح، أم مجرد استراحة قصيرة قبل استئناف المهنة؟

ولأن مسلسل السرقات لا يكتمل دون حلقة “القاصر”، فقد أوقفت العناصر الأمنية كذلك، قاصراً يُشتبه في تورطه في سرقة منزل أستاذ بجماعة تمروت. وتم تقديمه أمام النيابة العامة المختصة، قبل أن يُفرج عنه، بعد تنازل المشتكي، في مشهد إنساني قانوني، يحمل في طياته مفارقة مريرة: بين حق الضحية في العدالة، ورغبة المجتمع في إعطاء فرصة ثانية… وثالثة… وربما عاشرة.

وفي الخلفية، لا تزال الأبحاث متواصلة لتفكيك شبكة، يُعتقد أنها متخصصة في سرقة محتويات السيارات، بمركز باب برد، في انتظار أن تتضح خيوط هذه الشبكة، التي يبدو أنها، اختارت بدورها شهر الصيام، موسماً ذهبياً للنشاط.

وهكذا، يجد سكان دواوير شفشاون أنفسهم اليوم أمام معادلة غريبة:
إما صلاة التراويح بخشوع…
أو حراسة البيوت بقلق…
بينما اللصوص – بكل برودة أعصاب – يجمعون بين “العمل الليلي” و”التوقيت الرمضاني”، دون أن تربكهم، لا حرمة الشهر ولا خشية الحساب.

في انتظار أن تقول التحقيقات كلمتها، تبقى الرسالة واضحة:
هناك من يصلي ليكسب الأجر،
وهناك من يسرق ليكسب الأثاث،
والكل ينشط في نفس التوقيت… لكن الفرق شاسع بين من يطرق باب السماء، ومن يكسر باب الجيران.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.