حين يرتدي الطيبون بدلة السلطة… كيف يتحول القلم إلى رِجلٍ ترفس الضعفاء؟

م-ص
هناك قصص لا تُروى لأنها جميلة، بل لأنها تترك في الروح ندبة… ندبة تشبه الحقيقة، حين تُفاجئنا وهي تخلع قناعها.
قصتان لا يمكن أن أنساهما، ليس لأنهما استثنائيتان، بل لأنهما مؤلمتان إلى درجة العادية. قصتان عن رجلين دخلا من نفس الباب: مدرسة استكمال الأطر، وخرجا منها ببدلة واحدة… بدلة السلطة. لكن، ما حدث بعد ذلك، لا يُدرَّس في أي مدرسة.
كان الأول شاباً أعرفه جيداً… ليس معرفة عابرة، بل معرفة الكلمات. كان في سنته الرابعة، يبعث لي بمقالاته، وأنا أسهر على نشرها في جريدة جهوية. كان يكتب بنَفَسٍ نقي، كأن الحبر عنده، ليس مجرد حبر، بل نوع من الضمير. كنت أقرأ له وأقول في نفسي: “هذا الشاب، إن لم يكن طيباً، فمن يكون؟”
كان خلوقاً… إلى درجة أن المرء، يكاد يقسم على ذلك.
ثم مرت السنوات.
وتخرّج.
وصار “قائداً”.
كلمة صغيرة… لكنها حين تلبس الشخص، قد تغيّر جلده، وربما روحه.
قيل لي إنه عُيّن في منطقة بالأطلس، قيادة مهمة، ناسها بسطاء، وطرقها متعبة، وأحلامها صغيرة، بما يكفي لتُدهس دون ضجيج. كنت مارّاً ذات يوم من هناك، فقلت في نفسي: “لم لا أحييه؟ لم لا أرى ماذا فعلت به الأيام؟”
لكنني لم أصل إليه.
توقفت بمقهى شعبي، ذاك النوع من المقاهي، التي تعرف كل شيء، قبل أن يُكتب في التقارير الرسمية. جلست، ودار الحديث… ومن بين الجالسين، كان رجل تعليم، بوجهٍ يحمل تعب السبورة والواقع معاً.
قال لي، بنبرة بين الغضب والخذلان:
“صاحبك؟ لا يستثني أحداً من عنفه… حتى نحن.”
سكت قليلاً، ثم أضاف ما يشبه القنبلة التي تُلقى بهدوء:
“كانت الفضائح على وشك الانفجار، لكنه بطريقة لا يفهمها إلا هو… أنهى الأمر بالزواج من إحدى بنات المنطقة.”
في تلك اللحظة، لم أعد أرغب في رؤيته.
لم أرغب في رؤية، كيف يمكن لذلك الوجه الذي كان يكتب، أن يتحول إلى يد تُوقع… وربما تُرهب.
طلب مني أحدهم أن أنتظره، لكنه تأخر… أو ربما كنت أنا الذي استعجل الرحيل. غادرت المكان، وأنا أشعر أن بعض اللقاءات، من الأفضل ألا تحدث، حتى لا تُكسر الصورة الأخيرة الجميلة، التي نحملها عن شخص ما.
القصة الثانية… أكثر مباشرة، وأقلّ مراوغة.
بطلها كان رجل تعليم. نعم، أستاذ… من أولئك الذين يُفترض أنهم يصنعون العقول، لا أن يكسروا البيض.
تخرّج بدوره من نفس المدرسة، وأصبح قائداً. عُيّن بالمحمدية، واشتغل لأزيد من سنتين داخل العمالة. ثم جاءت “الترقية”، أو لنقل: جاءت اللحظة التي سيختبر فيها نفسه خارج الجدران.
تولى المقاطعة الثانية، التي ستُعرف لاحقاً بالملحقة الإدارية الثانية… وهناك، في قلب ذلك المجال، توجد “الجوطية”، السوق الذي لا ينام، حيث تختلط الأصوات، والروائح، وحكايات الناس البسطاء.
في ذلك المكان تحديداً… حدث المشهد.
امرأة قادمة من جماعة قروية، تحمل بيضها كما تحمل رزق يومها. لا دروع لها سوى صبرها، ولا حماية سوى الأمل في بيع ما جلبته.
وصل القائد باب الجوطية.
نظر.
ثم… رفس.
نعم، رفس البيض.
بلا مقدمات، بلا تردد، بلا أي شيء، يمكن أن يُسمى إنسانية.
تكسّر البيض، كما تتكسّر أحياناً، كرامات صغيرة لا تجد من يدافع عنها.
حين تأكدت من تفاصيل القصة، لم أحتج وقتاً طويلاً لأختار عنواناً للمادة التي كتبتها آنذاك:
“قائد بارع في رفس… البيض.”
كان عنواناً ساخراً… لكن السخرية، في بعض الأحيان، ليست إلا طريقة مهذبة للغضب.
الغريب… بل المؤلم أكثر، أنني عرفت في المقابل رجالاً من نفس السلك، من نفس “الأم”، إن صح التعبير، لكنهم لم يشبهوا هؤلاء في شيء.
رجال سلطة… نعم، لكن بقلوب لا تزال تعمل.
يحترمون رجال التعليم، يجلسون مع المثقفين، يتحدثون بلغة الناس، لا بلغة الأوامر. يدركون أن السلطة ليست حذاءً يُرفس به الضعفاء، بل مسؤولية ثقيلة… من لم يحتملها، سقط.
وهنا، تكمن المفارقة التي لا تُفهم بسهولة:
كيف يمكن لمؤسسة واحدة أن تُخرج هذا… وذاك؟
كيف يمكن لنفس التكوين أن ينتج إنساناً، وآخر… مجرد منصب يمشي على قدمين؟
ربما الجواب ليس في المدرسة.
بل في ما كان قبلها… وما بقي بعدها.
هناك من يدخل السلطة وفي داخله إنسان، فيحاول أن يحميه.
وهناك من يدخلها وفي داخله فراغ… فتملؤه السلطة، إلى أن يفيض على الآخرين قسوةً.
وفي النهاية، لا يبقى من القائد لا كرسيه، ولا نفوذه…
بل تبقى قصته.
إما أن تُروى بفخر…
أو تُحكى في المقاهي، بين رشفة شاي وكلمة:
“كان هنا… ومرّ.”
ملاحظة: الصورة تعبيرية فقط، ومجرد تمثيل فني للموضوع، ولا علاقة لها بالوقائع الحقيقية أو الأشخاص المذكورين في القصة.




