
ضربة قلم
ليست كل البيانات النقابية مجرد أوراق إدارية، تنتهي صلاحيتها بانتهاء الاجتماع الذي أفرزها. هناك بيانات تتحول إلى صرخة، وأخرى إلى لائحة مطالب، وأخرى إلى مرآة، تكشف ما حاولت السياسات العمومية إخفاءه لسنوات. والبيان الأخير لنقابة المسرحيين المغاربة وشغيلة السينما والتلفزيون، ينتمي إلى هذا الصنف الأخير.
فبين سطوره رسالة واضحة: كفى من تحويل الفنان إلى متهم، كلما انفجر نقاش حول المال العام، وكفى من إدارة قطاع يفترض أنه ينتج الوعي بمنطق الارتجال والقرارات الأحادية.
إن أخطر ما يكشفه البيان ليس فقط التأخر في صرف الدعم، ولا إلزام الفرق المسرحية بالتوقيع على عقود قبل معرفة قيمة التمويل، وإنما كشفه لعطب أعمق يتمثل في غياب رؤية ثقافية وطنية، تجعل من الفن صناعة حقيقية، لا مجرد موسم للدعم أو مناسبة لالتقاط الصور.
فالبيان يرفض الريع، لكنه يرفض أيضا أن يصبح كل فنان متهما بالريع. وهذه نقطة بالغة الأهمية، لأن النقاش العمومي في الأشهر الأخيرة، انحرف من مساءلة السياسات إلى محاكمة الأشخاص، ومن نقد طرق التدبير إلى شيطنة قطاع بأكمله، وكأن آلاف التقنيين والممثلين والكتاب والمخرجين، يعيشون في بحبوحة، بينما الحقيقة أن أغلبهم، يكابد من أجل ضمان الحد الأدنى من الاستقرار الاجتماعي.
ولعل أكثر الفقرات إيلاما، تلك التي تتحدث عن التقنيين والعاملين في السينما والتلفزيون. هؤلاء الذين يصنعون الصورة ويبقون خارجها، يشتغلون لساعات طويلة، وأحيانا دون حماية اجتماعية حقيقية، أو احترام لحقوقهم الأساسية. إنها مفارقة قاسية أن تكون صناعة قائمة على الإبداع، بينما يعيش كثير من صناعها في هشاشة دائمة.
كما يضع البيان إصبعه، على جرح آخر ظل مسكوتا عنه، وهو مركزية القرار الثقافي. فالثقافة لا يمكن أن تظل رهينة العاصمة أو الإدارات المركزية، بينما الجهات، تزخر بالمبدعين وتفتقر إلى الإمكانات. العدالة المجالية ليست شعارا انتخابيا، بل شرطا لولادة مغرب ثقافي متوازن.
واللافت أن النقابة لم تكتف بالنقد، بل قدمت تصورا متكاملا للإصلاح؛ من الحوار الاجتماعي، إلى مراجعة منظومة الدعم، إلى حماية الفنان اجتماعيا، إلى إشراك التنظيمات المهنية في اتخاذ القرار، وصولا إلى الدعوة، لإحداث صناديق جهوية لدعم الثقافة. وهي مقترحات، تؤكد أن الأزمة ليست في غياب الحلول، بل في غياب الإرادة السياسية.
واليوم، ونحن على أبواب استحقاقات سياسية جديدة، يبدو السؤال أكثر إلحاحا من أي وقت مضى: هل ستظل الثقافة مجرد فقرة صغيرة في البرامج الانتخابية، أم ستتحول إلى مشروع اقتصادي واجتماعي واستثماري حقيقي؟
فالأمم، لا تقاس فقط بعدد الطرق السيارة والملاعب والموانئ، بل أيضا بما تنتجه من مسرح وسينما ورواية وموسيقى وفنون. لأن الثقافة ليست زينة للدولة، بل أحد أعمدتها الصلبة، وهي الاستثمار الوحيد القادر على صناعة الإنسان، قبل صناعة الأسواق.
لقد ألقى هذا البيان حجرا كبيرا في مياه راكدة. والكرة اليوم في ملعب الحكومة والوزارة الوصية. فإما أن تلتقطا الرسالة وتفتحا صفحة جديدة، عنوانها الحوار والإصلاح، وإما أن يبقى الفنان المغربي، يؤدي أدواره فوق الخشبة، بينما يواصل أداء دور الضحية خارجها.




