الإعلانات الظاهرة على هذه المنصة تُعرض تلقائياً عبر خدمة Google AdSense، وهي الممول الإعلاني الوحيد لمنصتنا الإلكترونية، ولا تعبّر بالضرورة عن توجهاتنا أو مواقفنا

دفاتر قضائية

حين يسقط حراس القانون… من يحرس ثقة المواطنين؟

ضربة قلم

ليس الخبر في حد ذاته أن غرفة جرائم الأموال بمحكمة الاستئناف بالدار البيضاء، أصدرت أحكاماً بالسجن في حق 37 عنصراً من الدرك الملكي، بل إن الخبر الحقيقي، يكمن في حجم الأسئلة التي تطرحها هذه القضية على الرأي العام.

فأن يصدر حكم في حق موظف عمومي متورط في الرشوة، فذلك أمر يقع في كل دول العالم، لكن أن يتعلق الأمر بهذا العدد الكبير من رجال الدرك المنتمين إلى مراكز ترابية مختلفة، فالأمر يتجاوز مسؤولية أفراد، ليصبح مؤشراً يستدعي التفكير في طبيعة منظومة المراقبة الداخلية وآليات الوقاية من الفساد.

الأكثر إثارة أن القضية، لم تنطلق من شكايات المواطنين، ولا من افتحاص إداري، بل من هاتف محمول، ضبط بحوزة بارون مخدرات. هاتف تحول، في هذه القضية، إلى شاهد صامت كشف، ما عجزت عنه سنوات من المراقبة.

وهنا يبرز سؤال مشروع: كم من الوقائع لم تكشفها بعد الهواتف؟ وكم من الملفات لا تزال تنتظر صدفة أو خطأ يرتكبه أحد المتورطين؟

ومن بين أكثر المعطيات التي تستوقف المتتبع، أن الشخص المشتبه فيه، كان موضوع عشرات مذكرات البحث، ومع ذلك ظل، بحسب الخبر، خارج دائرة التوقيف لسنوات. وهذه المعطيات تدفع إلى التساؤل حول أسباب هذا التأخر، مع الحرص على عدم استباق أي استنتاج، يتجاوز ما أثبتته الأحكام أو ما ورد في الملف القضائي.

ومن زاوية أخرى، فإن القضية تعطي صورة مختلفة عن مؤسسات الدولة. فمن جهة، تكشف وجود اختلالات خطيرة عندما يثبت تورط موظفين عموميين، في جرائم فساد. ومن جهة ثانية، تعكس أن أجهزة البحث والتحقيق والقضاء، باشرت إجراءات انتهت إلى محاكمات وأحكام، وهو ما يبرز أن مؤسسات الرقابة والعدالة، قامت بدورها في هذه القضية.

وهذا التوازن مهم، لأن الإنصاف يقتضي عدم تعميم المسؤولية على مؤسسة بأكملها، بسبب أفعال أفراد، كما لا يجوز في المقابل التقليل من خطورة الوقائع عندما يتعلق الأمر، بمن أوكل إليهم تطبيق القانون.

فالقاعدة في كل المؤسسات الأمنية، هي أن الأغلبية تؤدي واجبها بإخلاص، بينما يظل الفساد سلوكاً فردياً متى ثبت قضائياً. غير أن خطورة هذه السلوكيات، تكمن في أنها لا تسيء فقط إلى مرتكبيها، بل تلقي بظلالها على صورة المؤسسة كلها، وهو ما يجعل محاربة الفساد داخل الأجهزة المكلفة بإنفاذ القانون، أكثر أهمية من أي قطاع آخر.

ومن الدروس التي تفرضها هذه القضية أن التكنولوجيا أصبحت اليوم شريكاً أساسياً في مكافحة الجريمة. فالتسجيلات والهواتف الذكية وتحليل الاتصالات أصبحت أدلة قد تكشف ما تعجز عنه الشهادات التقليدية، وهو ما يفرض تطوير وسائل الرقابة والبحث بشكل مستمر.

كما أن القضية، تذكر الجميع بأن الرشوة ليست مجرد مبلغ مالي ينتقل من يد إلى أخرى، بل هي جريمة تمس مبدأ المساواة أمام القانون، وتمنح الجريمة المنظمة فرصة للنمو والتمدد. فعندما ينجح تاجر مخدرات في شراء ذمم بعض من يفترض فيهم محاربته، فإن الخاسر الأول ليس الدولة فقط، بل المجتمع بأكمله.

وقد أسدلت غرفة جرائم الأموال بمحكمة الاستئناف بالدار البيضاء، الستار على هذه القضية بإصدارها أحكامًا سالبة للحرية في حق 37 عنصرًا من الدرك الملكي، تراوحت بين 20 شهرًا وسنتين حبسًا نافذًا، فيما قضت في حق بعض المتابعين بالعقوبة التي تساوي المدة التي قضوها رهن الاعتقال الاحتياطي. وفي المقابل، أدانت المحكمة المتهم الرئيسي، الملقب ببارون المخدرات، وأربعة من معاونيه بعقوبات تراوحت بين خمس وست سنوات سجنًا نافذًا، مع الحكم عليهم أيضًا بغرامات مالية، لتختتم بذلك واحدة من أبرز القضايا التي شغلت الرأي العام، مع بقاء الأحكام قابلة لسلوك طرق الطعن المقررة قانونًا.

وفي النهاية، فإن قيمة هذا الملف، لا تقاس بعدد سنوات العقوبات، بل بالرسالة التي يحملها: لا أحد ينبغي أن يكون فوق القانون، سواء كان مجرماً أو موظفاً مكلفاً بتطبيقه. وإذا كانت هذه القضية قد هزت الرأي العام، فإن الأهم هو أن تتحول إلى مناسبة لتعزيز آليات الوقاية والمراقبة والشفافية، حتى يبقى من يحمل شارة تطبيق القانون محل ثقة واحترام، لأن هيبة المؤسسات لا تقوم فقط على قوة القانون، بل أيضاً على نزاهة من يسهرون على تنفيذه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.