حين يصبح إسعاد الناس أسلوب حياة… عن الإنسان الخدوم الذي يمنح دون حساب

م-ص
هذا الإنسان الخدوم، حين يساعدك، لا يفكر في الفاتورة النفسية التي سيقدمها لك لاحقا. لا يسجل معروفه في دفتر خفي، ولا ينتظر منك أن ترد الجميل بنفس الحجم. قد يتعب من أجلك، يسهر، يتدخل، يضحي بوقته وراحته، ثم يعود إلى بيته سعيدا فقط، لأنه شعر أن إنسانا آخر تنفس قليلا بسببه.
والغريب، بل المؤلم أحيانا، أن هذا الصنف من الناس قليلا ما يعثر على من يشبهه. كأن القدر يضع الورود وسط حقول من الأشواك، ليختبر قدرتها على الاحتفاظ بعطرها رغم الخدوش.
فالإنسان الخدوم غالبا ما يصطدم بأصناف مختلفة من البشر؛ هناك من يفسر لطفه على أنه سذاجة، وهناك من يعتقد أن استعداده الدائم للمساعدة دليل على أنه “لا يملك قيمة”، وهناك من يتعود على عطائه حتى يصبح الأمر بالنسبة إليه واجبا لا فضلا. والأسوأ من ذلك، أن بعض الناس لا يؤمنون أصلا بوجود العطاء المجاني، لأنهم تربوا على فكرة أن كل خدمة وراءها مصلحة، وكل ابتسامة لها ثمن، وكل معروف مشروع استثماري مؤجل.
لذلك تراهم يرفضون مساعدة الآخرين، ليس لأنهم عاجزون دائما، بل لأنهم يخافون من “الخسارة”. يعتقدون أن العالم كله نسخة منهم، وأن الجميع يتحرك بمنطق الحسابات الدقيقة. فإذا رأوا إنسانا يقدم الخير بلا شروط، أصابتهم الحيرة، بل أحيانا الشك. يسألون أنفسهم: “ماذا يريد هذا الشخص؟” لأنهم ببساطة، لم يعتادوا على رؤية القلوب النظيفة.
والحقيقة أن الإنسان الخدوم ليس ملاكا، وليس غبيا كما يتصور البعض، بل هو شخص فهم الحياة بطريقة أعمق. أدرك أن الدنيا قصيرة، وأن أجمل ما يمكن أن يتركه الإنسان خلفه ليس المال ولا المناصب، بل الأثر الطيب في قلوب الناس. هناك من يرحل ويترك وراءه عمارات وأرصدة بنكية، وهناك من يرحل ويترك دموعا صادقة ودعوات جميلة وذكريات دافئة. والفارق بين الاثنين شاسع جدا.
هذا الصنف النادر لا يرتاح حين يرى إنسانا محتاجا ويملك القدرة على مساعدته ثم يتجاهله. يشعر بتأنيب داخلي إن أغلق عينيه عن ألم غيره. ولذلك تجده حاضرا دائما؛ في الأفراح، في الأزمات، في التفاصيل الصغيرة التي لا ينتبه إليها كثيرون. قد يكتفي بكلمة طيبة، أو اتصال، أو وساطة، أو مجهود بسيط، لكنه يفعل ذلك بروح كبيرة.
وفي مجتمعاتنا، كثيرا ما يتعرض الإنسان الخدوم للاستنزاف. بعض الناس يحولونه إلى “مصلحة متنقلة”، لا يتذكرونه إلا عند الحاجة. فإذا احتاجوه أغرقوه بالمجاملات، وإذا انتهت المصلحة، عادوا إلى صمتهم البارد. ومع ذلك، يواصل هذا الإنسان عطاؤه، ليس لأنه لا يفهم ما يحدث، بل لأنه يرفض أن يتحول إلى نسخة قاسية من الآخرين.
وكم هو مؤلم أن نعيش زمنا صار فيه الطيب مطالبا بالاعتذار عن طيبته، بينما الوقح يتحرك بثقة، والانتهازي يُصفق له، والأناني يُعتبر “ذكيا يعرف مصلحته”. حتى أصبحت بعض النصائح الشعبية، تدعو الناس إلى القسوة والحذر المبالغ فيه، وكأن الرحمة خطأ أخلاقي يجب التخلص منه.
لكن رغم كل شيء، يبقى الإنسان الخدوم ضرورة أخلاقية داخل هذا العالم. فهو الذي يحافظ على ما تبقى من حرارة العلاقات الإنسانية. لولاه لتحولت الحياة إلى سوق بارد، يبيع فيه الجميع مشاعرهم بالتقسيط. تخيل فقط مجتمعا، لا أحد فيه يساعد أحدا إلا بعقد غير مكتوب، ولا أحد يتحرك إلا إذا ضمن الربح… كيف ستكون الحياة؟ جافة، خانقة، بلا روح.
الإنسان الخدوم لا يعيش حياة سهلة، لأن قلبه يتعب كثيرا. يكتشف خيبات متكررة، ويتعرض أحيانا للاستغلال، وقد يسمع كلمات جارحة من أشخاص ساعدهم ذات يوم، لكنه رغم ذلك، يواصل السير بنفس القلب. وكأن داخله إيمانا عميقا بأن الخير، حتى حين لا يعود من البشر، لا يضيع عند الله ولا عند الزمن.
والأجمل في هذا النوع من الناس أنهم يمنحون الآخرين أملا غير مباشر. مجرد وجودهم يذكرك بأن الدنيا لم تفسد بالكامل، وأن الإنسانية ما زالت بخير، ولو بنسبة قليلة. هم الأشخاص الذين يجعلونك تعيد التفكير في أحكامك السوداوية، لأنهم يثبتون أن العطاء ما زال ممكنا دون أقنعة.
وربما أخطر ما يهدد هذا الصنف اليوم، ليس قلة التقدير فقط، بل انتشار ثقافة الشك والجفاء والمصلحة السريعة. فالعالم صار يدفع الإنسان الطيب نحو الانغلاق، وكأنه يقول له يوميا: “لا تكن جيدا أكثر من اللازم.” ومع ذلك، هناك من يقاوم، ويتمسك بنقائه الداخلي رغم كل الخيبات.
إنهم بشر يشبهون المطر… لا يختارون أين يسقطون، لكنهم يمنحون الحياة لكل ما يمرون فوقه.
ولذلك، حين تصادف إنسانا خدومًا، لا تستغله، ولا تسخر من طيبته، ولا تعتبر حضوره أمرا عاديا. لأنك قد لا تصادف مثله كثيرا. هذا النوع من البشر، أصبح فعلا مهددا بالانقراض، في زمن ترتفع فيه قيمة الأشياء، بينما تنخفض قيمة الأخلاق.
وربما أجمل ما يمكن أن يقال عن الإنسان الخدوم، أنه حتى حين يتعب من الناس… لا يتعلم الكراهية.




