الإعلانات الظاهرة على هذه المنصة تُعرض تلقائياً عبر خدمة Google AdSense، وهي الممول الإعلاني الوحيد لمنصتنا الإلكترونية، ولا تعبّر بالضرورة عن توجهاتنا أو مواقفنا

رياضةمجتمع

حين يصبح التفوق المغربي عقدة للآخرين: عقلية أوروبية في فضاء كروي إفريقي مثقل بالحسد والخبث

م-ص

كتب لي صديق، طبيب مصري مقيم بالمغرب منذ سنوات، ويقول عن نفسه إنه مغربي قلبًا وقالبًا، رسالة مشحونة بالأسى أكثر مما هي مشبعة بالغضب. رسالة خرجت من رحم الإحباط الكروي، الذي بات يخيّم على القارة الإفريقية، حيث لم تعد كرة القدم مجرد منافسة رياضية، بل تحوّلت، في كثير من الأحيان، إلى مرآة تعكس أعطابًا أعمق: خبثًا مستشريًا، وحسدًا معلنًا، وسلوكات لا تمتّ للرياضة بصلة. كتب لي، على ضوء هذا الواقع، أن مكان المغرب الطبيعي ليس في إفريقيا، بل في أوروبا، حيث تُحسم الأمور داخل المستطيل الأخضر، لا في الكواليس، وحيث تُقاس المنتخبات، بما تقدمه من أداء، لا بما يُحاك ضدها من مؤامرات.

قد تبدو العبارة صادمة للبعض، لكنها ليست وليدة، نزوة عاطفية، ولا نتاج لحظة انفعال عابر. إنها خلاصة مسار طويل من الاحتكاك، ومن المعايشة الدقيقة، لما يواجهه المغرب، كلما اقترب من منصات التتويج الإفريقية. فكلما تألق، كلما اشتدّت السهام المسمومة. وكلما فرض نفسه قوة كروية صاعدة، كلما تحرّكت جوقة التشكيك، والتشويش، والتحريض، وكأن النجاح في هذه القارة جريمة لا تُغتفر.

المغرب اليوم، ليس ذلك المنتخب الذي يطلب الاعتراف، بل منتخب فُرض اعترافه فرضًا. لاعبوه يتألقون في أقوى الدوريات الأوروبية، في إسبانيا وبلجيكا وإنجلترا وفرنسا وإيطاليا وألمانيا. مدارس كروية صارمة صقلت مهاراتهم، وانضباط تكتيكي عالٍ شكّل شخصياتهم داخل الملعب، وعقلية احترافية، جعلتهم يتعاملون مع كرة القدم كعلم، لا كارتجال. هؤلاء اللاعبون أنفسهم، حين يعودون إلى الفضاء الإفريقي، يجدون أنفسهم في بيئة مختلفة: تحكيم مثير للريبة، قرارات متناقضة، ضغط نفسي، وأحيانًا عداء مكشوف، لا تحكمه لا أخلاق الرياضة ولا روح المنافسة.

ثم إن الجغرافيا نفسها، تزيد من حدّة المفارقة. فالمغرب لا يبعد عن أوروبا سوى نحو خمسة عشر كيلومترًا بحريًا. مسافة قصيرة تختصر قرونًا من التفاعل الحضاري، والاقتصادي، والرياضي. ومع ذلك، يبدو أحيانًا أن هذه الكيلومترات القليلة تتحول، في العقلية الإفريقية الكروية، إلى هوة سحيقة، تفصل بين منطق الاحتراف ومنطق الارتجال، بين ثقافة الفوز المستحق وثقافة العرقلة الممنهجة.

في أوروبا، حين يفوز فريق أو منتخب، تُصفّق له حتى الجماهير المنافسة. وحين يُقصى، يبحث عن الأخطاء ليصححها. أما في إفريقيا، فكثيرًا ما يُستقبل النجاح بالريبة، ويُواجَه التفوق بمحاولات الكسر لا بالتنافس الشريف. المغرب، ببنياته التحتية، ومراكزه الجهوية، وأكاديمياته، واستثماره طويل النفس في التكوين، كشف عورة منظومة كروية، لم تتصالح بعد مع الاحتراف الحقيقي. ومن هنا بالذات، ينبع كل هذا الحقد، لأن النجاح حين يفضح الفشل، يصبح مستفزًا.

قول صديقي الطبيب إن “مكان المغرب في أوروبا” ليس دعوة جغرافية، بقدر ما هو توصيف ذهني. هو يقول، بلغة أخرى، إن العقلية المغربية الكروية أصبحت أقرب إلى النموذج الأوروبي: تخطيط، استثمار، صبر، احترام للقانون، وإيمان بأن العمل هو الطريق الوحيد للإنجاز. بينما لا تزال أجزاء واسعة، من الكرة الإفريقية أسيرة منطق المؤامرة، والتبرير، وتعليق الإخفاق على شماعة الآخر.

ورغم كل ذلك، يبقى المغرب إفريقيًا، شاء من شاء وأبى من أبى. إفريقيًا بهويته، وبعمقه، وبالتزامه تجاه القارة، وباستثماراته الرياضية، التي لم يستفد منها وحده، بل استفادت منها منتخبات إفريقية عديدة. غير أن هذا الانتماء، لا يعني القبول بالظلم، ولا التطبيع مع الخبث، ولا السكوت عن الاستهداف المتكرر. بل لعل قوة المغرب اليوم، تكمن في أنه أصبح أكبر من هذه الممارسات، وأوسع أفقًا من أن يُستدرج إلى معارك صغيرة.

المغرب لا يحتاج إلى شهادة حسن سلوك من أحد، ولا إلى اعتراف من حساد. ما حققه في المونديال، وما يحققه لاعبوه أسبوعًا بعد أسبوع في الملاعب الأوروبية، أكبر ردّ على كل الأصوات المريضة. أما إفريقيا، فإن أرادت أن تتقدم كرويًا، فعليها أن تتعلم من التجربة المغربية، بدل أن تحاربها. لأن كرة القدم، في نهاية المطاف، لا ترحم من يصرّ على البقاء قزمًا في عالم يتسع للكبار فقط.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.