حين يصبح الجهل عطلة مدفوعة والفهم عقوبة مؤبدة

محمد صابر
كثيرون لا يفهمون، ويحبون أن يفهموا. يتعاملون مع الفهم كأنه جواز سفر إلى عالم السعداء، أو بطاقة VIP إلى صالة الحقيقة. تراهم يتسابقون على اقتناء الكتب، حضور المحاضرات، مشاركة اقتباسات ثقيلة على فيسبوك، وكل ذلك على أمل أن يستيقظوا يومًا فيجدوا العالم منطقياً. المشكلة؟ أن العالم نفسه لم يوقّع على هذه الخطة.
ثم هناك القليلون، أصحاب “الشرف” المشكوك فيه، الذين نجحوا في الفهم. هؤلاء لم ينالوا الحكمة النورانية، بل اكتشفوا ببساطة أن الحياة ليست رواية مدروسة الحبكة، بل سلسلة فصول كتبها كتّاب مختلفون وفي حالة سكر متفاوتة. فهموا أن كثيرًا مما تعلمناه لا معنى له، وأن الحقيقة التي ينتظرها الناس تشبه تلك العلبة الفارغة في رف البقالة: شكل جميل، ولا شيء بالداخل.
القليلون هؤلاء أصابهم الملل. صاروا يعرفون أن وراء كل باب جواب، ووراء كل جواب سؤال، ووراء كل سؤال صداع. بعضهم قرر الصمت، لا لأن الصمت حكمة، بل لأن الكلام صار مجهودًا لا يغير من الأمر شيئًا. وبعضهم صار يتظاهر بالغباء، كنوع من السياحة النفسية في أرض البسطاء، حيث لا أحد يقلق بشأن معنى الحياة أو حقيقة الكون.
وفي الطرف الآخر، أولئك الكُثر الذين لم يفهموا بعد، يواصلون الركض خلف “المعنى”، كما يركض الطفل خلف فقاعات الصابون… ينفقون وقتهم، ومالهم، وأعصابهم، وعندما تنفجر الفقاعة، يلومون الهواء.
وفي النهاية، يجتمع الفريقان على نفس المقهى: فريق يشرح وفريق يتثاءب. أحدهم يسرد “رؤيته العميقة”، والآخر يحرك الملعقة في كوب القهوة ويحسب كم دقيقة بقيت قبل أن يستطيع المغادرة دون أن يبدو وقحًا.
الحقيقة؟ لا أحد فاز. الذين لم يفهموا يعيشون على أمل الفهم، والذين فهموا يعيشون على أمل النسيان. وكلاهما ينتظر معجزة… أو على الأقل قاطرة تمر فوق هذه المسرحية لتسدل الستار نهائيًا.




