حين يصبح الحقد رياضة وطنية: الكره المجاني والانتقام لأبسط الأشياء

م-ص
اليوم، حبث أصبح “الإعجاب” عملة نادرة و”الحسد” فاكهة الموسم، صار الكره المجاني هواية جماعية يمارسها البعض كما يمارس الآخرون كرة القدم أو تصفح إنستغرام. لا تحتاج أن تؤذي أحدًا، يكفي فقط أن تكون موجودًا، مبتسمًا، ناجحًا ولو قليلًا، لتتحول إلى هدف مشروع لحملة مشاعر سلبية مجهولة المصدر.
الكره المجاني اليوم لا يحتاج إلى سبب. أحيانًا يكون السبب أنك تلبس بشكل أنيق، أو لأنك تفكر بطريقة مختلفة، أو لأنك ببساطة لم تنضم إلى القطيع. هناك من يراك ضحية غرورك لمجرد أنك لم تجامل تفاهته، ومن يعتبر ثقتك بنفسك تكبرًا وجريمة تستحق العقاب الاجتماعي.
مجتمع “ما عاجبوش العجب”
في المقاهي، في الإدارات، على مواقع التواصل، بل وحتى في الأسرة الواحدة، ينتشر ذلك المزاج الرمادي: “ما عاجبوش العجب، وما صايمش فرجب”. الكل ناقد، الكل غاضب، الكل متأهب لاصطياد خطأ أو زلة، لا ليصلحها، بل ليُشمت فيها.
من ينال ترقية يُتهم بالتملق. من يفتح مشروعًا يُتهم بالسرقة. من يسافر يُتهم بأنه وجد “واسطة”. ومن ينجح في علاقة عاطفية يُقال إنه “مسحور”.
نحن في زمنٍ صار فيه النجاح خطيئة، والتفوق استفزازًا، والاختلاف جريمة يعاقب عليها الناس بالنظرات والحكايات.
الانتقام من الضوء
أصل الحقد المجاني هو الغيرة، والغيرة في المجتمعات التي تفتقر إلى العدالة تتحول بسرعة إلى رغبة في الانتقام.
الإنسان الذي لم يُنصفه محيطه يرفض أن يرى أحدًا يُنصفه القدر. لذلك بدل أن يسعى للارتقاء، يسعى إلى جرّ الآخرين للأسفل.
إنه منطق “ما نوصلكش، نطيحك”.
حين يرى أحدهم نجاحك، لا يفكر كيف يلحق بك، بل كيف يطفئ الضوء الذي يحيط بك.
الانتقام هنا لا يكون دائمًا عنيفًا. قد يكون كلمة تُقال في غيابك، أو إشاعة تُهمس بخبث، أو تعليقًا على فيسبوك يقطر سمًّا. لكنه في كل الحالات يهدف إلى شيء واحد: أن يراك متألمًا كما هو.
من أين يأتي هذا الكره؟
في العمق، الكره المجاني هو ابن الفشل. يولد حين يشعر المرء أن مجهوداته لا تُقدّر، وأن غيره يحصد ما لم يستطع هو زرعه.
كما أن ضعف التربية العاطفية يجعل البعض عاجزًا عن التعبير عن إحباطه بطريقة صحية، فيتحول الحسد إلى سلاح دفاعي ضد شعوره بالنقص.
المدرسة لا تعلّمنا التعاطف، والمجتمع لا يربّينا على قبول الاختلاف، لذلك ننشأ ونحن نعتقد أن كل نجاح حولنا ينتقص من قيمتنا.
أبطال من ورق
في مواقع التواصل الاجتماعي، ازدهرت هذه الثقافة أكثر.
صار البعض ينتقم من العالم بزرّ “الاستياء”، أو بتعليق ساخر يزرع فيه سمًّا باسم “الحق في الرأي”.
ناس يعيشون خلف الشاشات بقلوب مريضة، ينتظرون لحظة سقوط أي شخص ناجح ليشعروا أخيرًا أنهم على ما يرام.
يُسقطون كل فشلهم الشخصي على الآخرين، وينامون مرتاحين لأنهم أقنعوا أنفسهم بأن “ما كاين حتى حد أحسن من حد”.
كيف نكسر الدائرة؟
الكره المجاني لا يُهزم بالردّ عليه، بل بتجاهله.
كل من يغضبك يتحكم فيك، وكل من ترد عليه يمنحه حجمًا أكبر مما يستحق.
الانتقام ليس حلًا، لأنه يجعلنا نتشبه بالذين ظلمونا. الحل هو الارتقاء، والمضيّ قدمًا بثقة وهدوء، لأن الزمن لا يرحم الحاقدين، بل يفضحهم مع مرور الأيام.
فلنعد تعليم أنفسنا وأطفالنا فنّ “الفرح للآخر”، لأن من يفرح لنجاح الناس، لا يجد وقتًا ليحقد عليهم.
الكره المجاني لا يعيش إلا في القلوب الفارغة، أما الممتلئة بالحب والطموح، فمشغولة ببناء ما يفتخر به الآخرون بدل هدمه.
في النهاية
الناس لا تكرهك لأنك أسأت إليهم، بل لأنك تذكّرهم بما لم يستطيعوا أن يكونوه.
فكن أنت كما أنت، ودع الكارهين يعيشون في ظلّك، لأن الضوء لا يعتذر عن الإشراق.




