الإعلانات الظاهرة على هذه المنصة تُعرض تلقائياً عبر خدمة Google AdSense، وهي الممول الإعلاني الوحيد لمنصتنا الإلكترونية، ولا تعبّر بالضرورة عن توجهاتنا أو مواقفنا

اقتصادمجتمع

حين يصبح الدين المغربي سلعة دولية.. من يشتري ديون المغاربة؟

ضربة قلم

أفادت مصادر إعلامية أن مؤسسة التمويل الدولية (IFC)، التابعة لمجموعة البنك الدولي، تستعد، بشراكة مع المجموعة الألمانية «EOS»، لإطلاق آلية استثمارية، قد تصل قيمتها إلى 60 مليون يورو، مخصصة لشراء وإدارة القروض المتعثرة في المغرب. المشروع لم يحصل بعد على الموافقة النهائية، ومن المرتقب أن يعرض على مجلس إدارة مؤسسة التمويل الدولية في 15 أكتوبر المقبل.

لكن بعيداً عن لغة المؤسسات المالية والأرقام الباردة، هناك سؤال ساخن جداً:

ماذا يعني أن يصبح دين المواطن المغربي قابلاً للبيع والشراء؟

الموضوع ليس أن جهة أجنبية، ستأتي غداً لتطرق أبواب المغاربة. وليس صحيحاً، في هذه المرحلة، القول إن المشروع يعني تلقائياً الزج بالمدينين في السجون أو أن المغرب «تخلى عن سيادته». هذه استنتاجات لا تثبتها المعطيات المنشورة.

لكن الحقيقة التي لا يمكن القفز عليها، هي أن هناك توجهاً لإنشاء سوق ثانوية للديون المتعثرة؛ أي أن البنك الذي عجز عن تحصيل دين متعثر يستطيع، في إطار قانوني منظم، أن يبيع هذا الدين إلى جهة متخصصة، تتولى إدارته واسترجاعه.

وهنا تبدأ القصة الحقيقية.

لأن البنك الذي كان يعرف زبونه، ويتفاوض معه، وقد يعيد جدولة دينه، قد يبيع الملف إلى مؤسسة متخصصة في الديون المتعثرة.

وبالنسبة للمواطن، قد يتغير اسم الدائن… لكن الدين لا يختفي.

بل إن البعض أوضح أن بيع الدين لا يعني إلغاءه أو تخفيضه تلقائياً، وإنما انتقال الحق في المطالبة به وإدارته إلى الجهة التي اشترته، وفق الهيكلة القانونية للعقد والصفقة. كما أن كيفية تعامل «EOS» مباشرة مع كل مدين ستتوقف على تفاصيل العملية والعقود التي ستبرم مع المؤسسات المالية.

وهنا يجب أن نكون أكثر جرأة في طرح السؤال:

هل نحن أمام حل لمشكلة الأبناك… أم أمام نقل المشكلة من ميزانيات الأبناك إلى جيوب المواطنين؟

فالقطاع البنكي، يعاني من كتلة ضخمة من القروض المتعثرة، تجاوزت 102 مليار درهم وفق المعطيات التي أوردتها هسبريس استناداً إلى بيانات بنك المغرب، بينما تشير معطيات أحدث إلى استمرار ارتفاعها خلال 2026.

بالنسبة للبنوك، بيع هذه الديون قد يكون خبراً جيداً: التخلص من أصول متعثرة، استرجاع جزء من الأموال، وتحرير موارد، يمكن توجيهها من جديد نحو الاقتصاد.

لكن بالنسبة للمواطن المدين، السؤال مختلف تماماً:

هل سيحصل على إعادة جدولة ميسرة؟ هل سيخفض جزء من دينه؟ هل ستُراعى قدرته الحقيقية على الأداء؟ ومن سيحميه إذا أصبح ملفه بيد مؤسسة متخصصة في تحصيل الديون؟

المشروع، وفق المعطيات المتاحة، يتحدث أيضاً عن مساعدة المدينين على تسوية التزاماتهم، والعودة إلى وضع مالي طبيعي، لكن لا يوجد، إلى حدود الآن، التزام معلن، بأن كل مدين، سيحصل تلقائياً على تخفيض أو إعادة جدولة محددة.

وهنا تحديداً، يجب أن يدخل المشرّع المغربي إلى قلب النقاش.

إذا كان المغرب يتجه نحو سوق ثانوية للديون المتعثرة، فقبل الحديث عن حماية الأبناك ورؤوس أموالها، يجب أن نتحدث عن حماية المدين.

لأن المواطن ليس مجرد رقم في محفظة ائتمانية.

وراء كل قرض متعثر أسرة، أو مقاولة صغيرة، أو عامل فقد عمله، أو تاجر انهارت تجارته، أو شخص دخل في أزمة مالية، ولم يعد قادراً على أداء الأقساط.

وإذا كانت الديون ستصبح سلعة يمكن بيعها وشراؤها، فلابد أن تكون هناك قواعد صارمة، تمنع تحول المواطن إلى سلعة أيضاً.

أما الحديث عن «الحماية الدولية» أو أن المغرب عاد إلى زمن الحماية، فهو استنتاج سياسي كبير لا تثبته المعطيات الحالية.

لكن هناك سؤالاً أكثر واقعية وخطورة:

إذا أصبح دين المغربي يُشترى من الخارج، فمن سيشتري حق المغربي في الحماية عندما يعجز عن الأداء؟

هذه هي المعركة الحقيقية.

ليس ضد الاستثمار الأجنبي، ولا ضد البنوك، ولا ضد مؤسسة التمويل الدولية أو «EOS».

بل ضد أن تتحول الأزمة المالية للمواطن إلى فرصة استثمارية فقط.

فإذا كان المطلوب إنقاذ الأبناك من الديون المتعثرة، فليكن.

لكن لا يجوز أن يكون إنقاذ ميزانيات الأبناك على حساب اختناق ميزانيات الأسر المغربية.

وإذا كان المغرب بصدد بناء سوق جديدة للديون المتعثرة، فعليه أن يبني معها، وبالقوة نفسها، سوقاً لحماية المدينين.

وإلا فسنكون قد انتقلنا من سؤال:

«كيف يسترجع البنك أمواله؟»

إلى سؤال أكثر إزعاجاً:

«كيف يسترجع المواطن حقه في أن يُعامل كإنسان… لا كملف ديْن قابل للبيع؟»

وهنا يبرز السؤال الأكثر إزعاجاً: كيف يعقل أن نتحدث باستمرار عن الأموال التي تثقل كاهل المواطن المغربي، وعن الديون والالتزامات التي تبقى في عنقه وعنق الأجيال المقبلة، بينما تخرج في المقابل أموال مغربية بالعملة الصعبة إلى الخارج، وتستقر في حسابات وبنوك خارجية؟ أيُّ مفارقة هذه؟ المواطن يُطلب منه أن يؤدي، وأن يصبر، وأن يتحمل الغلاء والضرائب والديون، فيما تظل قضية الأموال التي تغادر البلاد نحو الخارج، بحاجة إلى مزيد من الشفافية والرقابة والكشف عن مصادرها ووجهاتها. فإذا كان المال العام والمال الوطني عزيزاً على المغرب، فلماذا يصبح البحث عن الأموال التي تغادر إلى الخارج أكثر صعوبة من البحث عن درهم المواطن في جيبه؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.