الإعلانات الظاهرة على هذه المنصة تُعرض تلقائياً عبر خدمة Google AdSense، وهي الممول الإعلاني الوحيد لمنصتنا الإلكترونية، ولا تعبّر بالضرورة عن توجهاتنا أو مواقفنا

مجتمع

حين يصبح الرحيل أكثر وفاءً من البقاء

م-ص

ثمة طرق لا نغادرها بأقدامنا فقط، بل نغادرها بقلوب أنهكها الوقوف الطويل على حافة الانتظار. وحين يقرر الإنسان أخيرا أن يغير الطريق الذي اعتاد السير بمحاذاته، فإن أجمل ما يمكن أن يفعله، أن يمضي دون التفات، لا كبرياءً متعاليا، ولا جفاءً باردا، بل وفاءً صامتا لذلك الوعد النبيل الذي قطعه على نفسه ذات مساء حزين: أن يحمي ما تبقى داخله من ضوء.

فالالتفات المتكرر إلى الخلف، لا يعيد الذين ابتعدوا، ولا يرمم الجسور التي تصدعت تحت ثقل الصمت وسوء الفهم. إنه فقط يفتح الجرح من جديد، ويمنح الذاكرة فرصة أخرى، لتبعثر القلب فوق الطرقات القديمة. وبعض الطرق، مهما كانت جميلة في بدايتها، تصبح مع الوقت ضيقة على أرواحنا، موحشة رغم ازدحامها بالوجوه، باردة رغم كل الكلام الذي قيل فيها ذات دفء.

ولأن الإنسان بطبعه هش أمام خيباته، فإنه كثيرا ما يبالغ في الإصغاء إلى التفاصيل الصغيرة، يرهق نفسه بتأويل النظرات، وتحليل النبرات، وربط الصمت بألف احتمال مؤلم. والحقيقة أن بعض القلوب لا تتعمد الأذى، لكنها فقط تعجز عن التعبير النظيف، أو تتغير دون أن تنتبه أنها تترك خلفها أرواحا كانت تراهن عليها بصدق. لذلك، ليس من الحكمة أن نحول كل خيبة إلى معركة، ولا كل برود إلى خيانة، ولا كل مسافة إلى إعلان نهاية.

أحيانا، يكون نبل الإنسان في قدرته على اختراع الأعذار للآخرين، لا لأنه ساذج، بل لأنه أرقى من أن يجعل قلبه ساحة للكراهية. أن تمنح الأعذار، يعني أنك تحاول إنقاذ ما تبقى من صورتك الإنسانية، قبل أن تنقذ صورة الآخر. ويعني أيضا أنك لا تريد أن تدخل آخر الليل مثقلا بندم القسوة، أو بوخز الكلمات التي قيلت في لحظة غضب، ولم يكن ينبغي لها أن تقال.

كم هو متعب ذلك الإنسان الذي يظل طوال الوقت يفتش عن الإدانة، ويبحث عن الدليل الذي يسمح له بأن يكره. وكم هو جميل، في المقابل، ذلك الذي يحاول أن يرى النقص البشري بعين الرحمة، لا بعين القاضي. فنحن جميعا نحمل داخلنا مناطق مظلمة، لحظات ضعف، ارتباكات خفية، وأوجاعا لا نحسن دائما شرحها. لذلك، فإن أكثر العلاقات نبلا، ليست تلك التي لا تعرف الخلاف، بل تلك التي ينجو فيها الاحترام من الحريق.

الاحترام… ذلك الشيء النادر الذي حين يسقط، لا تعيده كل الاعتذارات. قد تنتهي الطرق، وتتبدل الوجوه، وتبرد المشاعر، لكن بقاء الاحترام المتبادل، يشبه نجاة زهرة وحيدة وسط مدينة أكلتها النيران. هو الاعتراف الصامت، بأن ما جمعنا يوما لم يكن حقيرا، وأن اللحظات الجميلة، التي عبرت بيننا كانت حقيقية، حتى وإن عجز الزمن عن حمايتها حتى النهاية.

وما أجمل أن يغادر الإنسان علاقة ما وهو يحتفظ في ذاكرته بتلك التفاصيل الصغيرة، التي صنعت دفء الأيام: حديث عابر سرق التعب من مساء ثقيل، ضحكة جاءت في وقتها تماما، ارتباك بريء، اهتمام عفوي، أو كلمة بسيطة، أعادت للحياة معناها في لحظة انطفاء. تلك الأشياء لا يجب أن تتحول إلى تهم بعد الرحيل، ولا إلى ملفات سوداء نلوث بها الماضي. لأن بعض الذكريات خُلقت لتبقى نقية، حتى لو تغيرت القلوب بعد ذلك.

الحزن الحقيقي ليس أن نفترق، بل أن نسيء إلى الجمال الذي مر بنا ذات يوم. أن نحول الود القديم إلى ساحة انتقام، وأن نكسر بأيدينا الصور التي كانت تمنح أرواحنا شيئا من الطمأنينة. لهذا، يبدو النضج أحيانا في الصمت أكثر مما يبدو في الكلام، وفي المغادرة الهادئة، أكثر مما يبدو في الضجيج.

ثم إن الحياة، مهما أثقلتها الخسارات، لا تتوقف. إنها تمضي بنا كما تمضي الأنهار، تحمل في طريقها أوراقا ذابلة، لكنها تواصل الجريان نحو البحر. وقد يظن الإنسان في لحظة حزن أن العالم انتهى، وأن قلبه لن يشفى من تلك الغصة التي تسكنه، غير أن الأيام – على قسوتها – تملك قدرة غامضة على تضميدنا ببطء. ليس بالنسيان الكامل، بل بتخفيف الوجع حتى يصبح مجرد ظل بعيد.

سنحزن، نعم… لأن الأرواح الصادقة لا تعبر الحياة ببرود. سنشتاق أحيانا إلى أشخاص لم يعودوا يشبهوننا، وإلى أيام لن تتكرر مهما حاولنا استعادتها. سنقف أحيانا على أطلال الكلام القديم، ونشعر بوخز خفيف في القلب، ونحن نتذكر كيف كنا نضحك دون خوف من الغد. لكننا، رغم كل ذلك، سنتعلم أن نمشي من جديد.

وهذه هي حكمة الحياة التي لا يفهمها الجميع: أن النهايات ليست دائما هزائم، وأن بعض الرحيل رحمة متخفية في هيئة ألم، وأن الإنسان لا يكبر بعدد السنوات، بل بعدد المرات التي انكسر فيها، ثم اختار أن يبقى نبيلا.

لهذا كنا وما زلنا نردد، بكل ما في أرواحنا من تعب وأمل: إن الحياة تستمر رغم كل شيء… تستمر بمن رحلوا، وبمن بقوا، بالذكريات التي أوجعتنا، وبالأحلام التي لم تكتمل، وبالقلوب التي تعلمت أخيرا، أن تحب دون أن تؤذي، وأن ترحل دون أن تلوث الطريق خلفها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.