الإعلانات الظاهرة على هذه المنصة تُعرض تلقائياً عبر خدمة Google AdSense، وهي الممول الإعلاني الوحيد لمنصتنا الإلكترونية، ولا تعبّر بالضرورة عن توجهاتنا أو مواقفنا

مجتمع

حين يصبح الظلم ظلاً يرافق الإنسان

م-ص

هناك أوجاع يمكن للإنسان أن يصفها بسهولة، كوجع الجسد حين يمرض، أو ألم الفقد، حين يرحل عزيز. لكن هناك ألماً آخر أكثر تعقيداً وأشد قسوة، لأنه لا يترك جرحاً ظاهراً ولا أثراً مادياً، يمكن الإشارة إليه. إنه الإحساس بالظلم، ذلك الشعور الثقيل الذي يتسلل إلى الروح، فيصيبها بالإرهاق، ويجعل القلب، يحمل من الأثقال ما لا تستطيع الكلمات التعبير عنه.

فالظلم ليس مجرد حدث عابر، يقع في لحظة وينتهي، بل قد يتحول إلى إقامة طويلة داخل النفس. قد ينسى الإنسان كثيراً من تفاصيل حياته، لكنه نادراً ما ينسى لحظة شعر فيها، بأن حقه سُلب، أو أن جهده ضاع، أو أن الحقيقة التي يحملها، لم تجد من ينصفها.

وما أقسى أن يكون الإنسان صادقاً ثم يُتهم بالكذب، أو مخلصاً ثم يُكافأ بالجحود، أو مجتهداً ثم تُمنح الثمار لغيره. في تلك اللحظات، لا يتألم بسبب الخسارة وحدها، بل بسبب الشعور، بأن ميزان العدالة قد اختل، وأن الدنيا لم تنظر إليه، بالعين نفسها التي نظر بها إليها.

الإحساس بالظلم يشبه غيمة سوداء، تحجب الشمس عن الروح. قد يبتسم الإنسان أمام الناس، وقد يواصل حياته بشكل طبيعي، لكنه في أعماقه يخوض معركة صامتة، لا يراها أحد. يتساءل بينه وبين نفسه: لماذا حدث هذا؟ لماذا كنت أنا الضحية؟ لماذا لم يسمع أحد صوتي؟ ولماذا انتصر الباطل هذه المرة؟

وحين تتراكم هذه الأسئلة دون أجوبة، يبدأ التعب الحقيقي. ليس تعب الجسد، بل تعب الروح. ذلك التعب الذي يجعل الإنسان يفقد شيئاً من حماسه، وشيئاً من ثقته، وشيئاً من قدرته على الفرح. فهو لا يطلب المستحيل، ولا يطمح إلى معجزة، بل يريد فقط أن يُعامل بإنصاف، وأن يُمنح ما يستحقه دون زيادة أو نقصان.

والغريب أن أكثر أنواع الظلم إيلاماً، ليس ذلك الذي يأتي من الغرباء، بل الذي قد سبق أن أسديت له خدمات، أو يأتي من الأقربين. فالإنسان يتوقع الأذى من خصومه، لكنه لا يتوقعه، ممن منحهم ثقته ومحبته. لذلك تكون الطعنة، أشد حين تأتي من يد ظنها سنداً، ويكون الألم أعمق حين يصدر الجحود، ممن كانوا يوماً جزءاً من تفاصيل القلب.

ومع ذلك، فإن التاريخ الإنساني، يعلمنا أن الظلم، مهما طال، لا يملك صفة الخلود. فقد يربح جولة، وقد يفرض حضوره زمناً، لكنه لا يستطيع أن يحتفظ بالنصر إلى الأبد. لأن الحقيقة تملك عناداً غريباً، فهي قد تتأخر، لكنها لا تختفي، وقد تُحاصر لكنها لا تموت.

كم من أشخاص عاشوا سنوات طويلة وهم يحملون شعوراً بالمرارة، لأنهم تعرضوا للظلم، ثم اكتشفوا بعد حين أن الحياة كانت تهيئ لهم طرقاً أخرى للإنصاف. وكم من مظلوم، نام وقلبه مثقل بالهم، ثم استيقظ ذات يوم، ليجد أن الأيام نفسها بدأت تعيد ترتيب الأشياء بطريقة لم يكن يتوقعها.

ولهذا، فإن أخطر ما يمكن أن يفعله الظلم بالإنسان، ليس أن يسلبه حقاً، بل أن يسلبه إيمانه بالعدالة. فحين يفقد المرء ثقته في أن الحق، يمكن أن يعود، يصبح أسيراً لليأس، ويمنح الظالم انتصاراً أكبر، مما يستحق. أما الذين يواصلون السير رغم الجراح، ويتمسكون بقيمهم رغم الخيبات، فإنهم ينتصرون بطريقة مختلفة، حتى قبل أن يستردوا حقوقهم.

إن الإحساس بالظلم يشبه الليل الطويل. قد يبدو بلا نهاية حين نكون في قلب عتمته، لكن الفجر يظل موجوداً خلف الأفق، ينتظر لحظته المناسبة. والإنسان الذي يحافظ على نقاء قلبه وسط القسوة، وعلى إنسانيته وسط الجفاء، وعلى إيمانه بالحق وسط الضجيج، إنما يعلن في صمت، أنه أقوى من الظلم نفسه.

فليس كل من انتصر كان قوياً، وليس كل من هُزم كان ضعيفاً. أحياناً يكون أعظم الانتصارات، هو أن تظل وفياً للحقيقة رغم كل شيء، وأن ترفض أن تتحول إلى نسخة من الذين ظلموك.

وعندها فقط، يكتشف الإنسان أن الظلم، رغم قسوته، لم يكن قادراً على كسر روحه، وأن الكرامة التي حافظ عليها، كانت أثمن من كل المكاسب العابرة. ويكتشف أيضاً أن العدالة، ليست دائماً حكماً يصدر في محكمة، بل قد تكون سلاماً داخلياً يمنحه الله لمن صبر، وطمأنينةً تسكن قلب من عرف أنه لم يؤذِ أحداً، ولم يبع ضميره، مهما اشتدت العواصف.

وهكذا يبقى الظلم امتحاناً قاسياً، لكنه ليس نهاية الطريق. ويبقى الحق، مهما تأخر، نجمةً معلقة في سماء الحياة، قد تحجبها الغيوم أحياناً، لكنها لا تسقط أبداً.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.