حين يصبح الظلم مهنة… وتسقط الأقنعة في العمل والعلاقات الإنسانية

م-ص
ليس كل ظلمٍ يُقاس بما يُرى، فبعضه لا يُخلّف آثارًا على الجسد، لكنه يُنهك الروح حتى العظم. ذاك الظلم الذي يُمارَس باسم السلطة، أو يُبرَّر بالمصلحة، أو يُغلَّف بلغة “العمل” و“الواجب”، بينما هو في حقيقته عدوان صريح على الكرامة الإنسانية.
حين يتعرض الفرد، لظلم رجل سلطة عدواني، أو رئيس منتخب انتهازي، أو صديق مناسباتي مريض بالحسد، فإن الصدمة لا تكون في الفعل وحده، بل في خيبة الأمل. لأننا – بسذاجة نبيلة – نعتقد أن من يتحدث باسم القانون سيحميه، وأن من انتخبته الجماعة، سيكون صوتها العادل، وأن من اقتسمتَ معه الخبز، والوقت سيحفظ الودّ.
لكن الواقع، في كثير من الأحيان، يثبت العكس.
تُطلق الإشاعات الرخيصة، كما تُطلق الرصاصات الطائشة: بلا هدف أخلاقي، وبلا إحساس بالمسؤولية. إشاعات يعلم مطلقوها يقينًا أنها كاذبة، ويعرفون أن المظلوم بريء منها، براءة الذئب من دم يوسف، ومع ذلك يصرّون على تسويقها، لا لأنهم يصدقونها، بل لأنهم يريدون للآخرين أن يصدقوها.
هؤلاء لا يبحثون عن الحقيقة، بل عن متلقٍّ ساذج، عن جمهور متعب، عن بيئة مستعدة، لتصديق كل ما يُقال، ما دام يُقال بثقة وبصوت عالٍ. فيُخرجون “أعينهم” ليمنحوها مصداقية زائفة، ويحوّلون الكذب إلى رواية، والرواية إلى “حقيقة متداولة”.
الأكثر إيلامًا في هذا المشهد، ليس الظلم في حد ذاته، بل مصدره.
أن يأتيك الجرح من أناس أخلصتَ لهم، وكنت وفيًا معهم، وضحّيت بمالك ووقتك من أجلهم، وسعيت لجبر خاطر إنسان، كان يفتقد إلى أبسط معاني الإنسانية. هنا يصبح الألم مضاعفًا، لأن الخذلان، لا يجرح فقط، بل يهدم.
ونحن هنا لا نتحدث عن العلاقات العاطفية، ولا عن خيبات الرومانسية، فلكل ذلك لغته وموسمه. نحن نتحدث عن العمل، وعن العلاقات الإنسانية في فضائها القاسي، حيث يُفترض أن تحكم العقلانية، لكن الذي يحكم فعليًا هو المكر، والخبث، والحسابات الصغيرة.
في هذا الفضاء، صار التملق مهارة، وصار الغدر “ذكاءً اجتماعيًا”، وصارت الطيبة سذاجة لا تُغتفر. وصار الصادق عبئًا، والمستقيم خطرًا، والنزيه تهديدًا غير مرغوب فيه.
المفارقة المؤلمة، أن الظالمين غالبًا ما يرتدون أقنعة الأخلاق، ويتحدثون عن القيم، ويمنحون الدروس في النزاهة، بينما هم أول من يخرقها. أما المظلوم، فيُطلب منه الصمت، أو تبرير براءته، أو قبول التشويه، كجزء من “قواعد اللعبة”.
ومع ذلك، ورغم كل هذا العتم، يبقى للمظلوم، ما لا يستطيع الظالم امتلاكه:
راحة الضمير،
وهدوء النوم،
والقدرة على النظر في المرآة دون خجل، والوقوف شامخًا أمام طينة لا تحيا إلا حين تسرق كرامة الشرفاء.
فالظلم قد ينتصر مؤقتًا، وقد يعلو صوته، وقد يربك المشهد، لكنه لا يصنع حقيقة دائمة. الحقيقة قد تتأخر، وقد تُحاصر، وقد تُشوَّه، لكنها في النهاية تشق طريقها، لأن الكذب – مهما طال عمره – هشّ بطبيعته.
ويبقى السؤال مفتوحًا، موجعًا، وضروريًا:
إلى متى سنستمر في تطبيع الظلم، داخل العمل والعلاقات الإنسانية؟
وكم من القلوب النقية، يجب أن تُستنزف، قبل أن ندرك أن أخطر ما نخسره، ليس منصبًا ولا مالًا…
بل الإنسان فينا؟




