الإعلانات الظاهرة على هذه المنصة تُعرض تلقائياً عبر خدمة Google AdSense، وهي الممول الإعلاني الوحيد لمنصتنا الإلكترونية، ولا تعبّر بالضرورة عن توجهاتنا أو مواقفنا

اقتصاد

حين يصبح الغضب الشعبي تفصيلًا: قراءة في تحوّل سلوك الوزير

ضربة قلم

لم يكن الغضب الشعبي، في مراحل سابقة من التاريخ السياسي المغربي، عنصرًا عابرًا في المشهد العام، بل كان إشارة تحذير قوية، تُحسب لها الكلفة الرمزية قبل السياسية. كان المسؤول العمومي، والوزير على وجه الخصوص، يدرك أن تراكم الاستياء، لا يمرّ دون أثر، وأن فقدان الثقة المجتمعية، يُضعف الموقع مهما كانت صلابة المنصب.

غير أن الملاحظ اليوم، في سياق عام يتّسم بتغيّر قواعد التفاعل بين السلطة والمجتمع، هو أن الغضب الشعبي لم يعد دائمًا عامل ضغط حاسم، بل تحوّل، في بعض الممارسات، إلى تفصيل يُدار ضمن الهامش، لا في صلب القرار. لم يعد الاستياء الجماعي، يستدعي بالضرورة مراجعة فورية، ولا إعادة ترتيب للأولويات، بل يُنظر إليه أحيانًا كجزء من الضجيج المحيط بالفعل العمومي.

هذا التحوّل لا يمكن عزله عن سياق أوسع، يتداخل فيه السياسي بالإداري، ويتراجع فيه البعد الرمزي للمسؤولية لصالح منطق التدبير التقني البارد. ففي هذا الإطار، يصبح الوزير فاعلًا محكومًا بمؤشرات رقمية، وتقارير داخلية، أكثر من كونه معنِيًا بنبض الشارع أو بتقلّبات المزاج العام.

كما أن تآكل فكرة “القدوة” داخل الفضاء العمومي، أسهم في إعادة تعريف العلاقة مع النقد. فبدل اعتبار الغضب الشعبي فرصة للتقويم والتصحيح، يتم التعامل معه أحيانًا بوصفه حالة ظرفية، مرتبطة بسوء فهم أو بتضخيم إعلامي، لا كإشارة إلى خلل أعمق في التواصل أو في السياسات المعتمدة.

ولا يمكن إغفال أثر التحولات الرقمية، في هذا السياق. فالتدفّق اليومي للانتقادات، وسرعة انتشار الغضب عبر المنصات، جعلا من الصعب التمييز بين النقد العابر والرفض العميق. ومع هذا التشويش، يفقد الغضب جزءًا من قوته الرمزية، ويتحوّل إلى موجة ضمن موجات متتالية، لا تفرض دائمًا وقفة تأمل.

غير أن الخطر الحقيقي لا يكمن في وجود الغضب ذاته، بل في تطبيع التعامل معه. فعندما يعتاد الفاعل العمومي على مناخ الرفض، دون أن ينعكس ذلك في مراجعة السياسات أو أساليب التواصل، تتسع الفجوة بين الخطاب الرسمي والتجربة اليومية للمواطن. وحينها، يصبح الصمت أو اللامبالاة ردّ فعل مقابلًا لغضب لم يعد يُنتج أثرًا.

إن تحوّل الغضب الشعبي، إلى “تفصيل” لا يعني زواله، بل يعني أنه لم يعد يؤدي وظيفته التصحيحية. وهذا التحوّل، إن استمر، لا يهدد صورة المسؤول فقط، بل يُضعف الثقة في الفعل العمومي ككل، ويحوّل السياسة من مجال تفاعل اجتماعي إلى ممارسة معزولة عن محيطها.

في النهاية، يبقى السؤال مفتوحًا:
هل الغضب الشعبي اليوم أقل أهمية، أم أن آليات الإصغاء إليه هي التي فقدت فعاليتها؟
وهل يستطيع الفعل العمومي، استعادة معناه، دون إعادة الاعتبار للثقة بوصفها أساسًا غير مكتوب لأي شرعية مستدامة؟

تظلّ أقسى مفارقات العمل العمومي أن ينتهي المسار، مهما بلغ صاحبه من مواقع ومسؤوليات، إلى عزلة رمزية قاسية. فليس من السهل أن يغادر المسؤول، حتى وإن كان وزيرًا، موقعه وهو يكتشف أن رصيده المعنوي قد تآكل، وأن صورته في الوعي العام اقتربت، دون تصريح أو حكم معلن، من وضع المنبوذ اجتماعيًا. فالمال أو الجاه السابق لا يكفيان لصيانة الأثر الإنساني حين تغيب جسور الثقة ويبهت الإحساس بالإنصاف، ولا يبقى في الذاكرة الجماعية سوى ما خلّفه الفعل العمومي من معنى، لا ما وفره المنصب من امتياز.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.