الإعلانات الظاهرة على هذه المنصة تُعرض تلقائياً عبر خدمة Google AdSense، وهي الممول الإعلاني الوحيد لمنصتنا الإلكترونية، ولا تعبّر بالضرورة عن توجهاتنا أو مواقفنا

مجتمع

حين يصبح الكذب أسلوب حياة… لا مجرد زلة لسان

ضربة فلم

الكذب ليس ظاهرة جديدة، فقد وُجد منذ أن وُجد الإنسان، لكنه في زمننا لم يعد مجرد سلوك استثنائي، يلجأ إليه البعض هرباً من موقف محرج أو خوفاً من عقاب، بل تحول عند كثيرين إلى أسلوب حياة، وإلى وسيلة للتعامل اليومي مع الناس، حتى ليخيل إليك أحياناً، أن بعض الأشخاص يكذبون، أكثر مما يتنفسون.

إنها ظاهرة لا تقتصر على شخص أمي أو محدود التعليم، ولا على طبقة اجتماعية دون أخرى، بل تجدها عند الكبير والصغير، والغني والفقير، والمتعلم وغير المتعلم، والمسؤول والموظف، والتاجر والعامل، بل وحتى داخل الأسرة، التي يفترض أن تكون المدرسة الأولى للقيم والأخلاق.

والمؤلم أكثر أن بعض الآباء والأمهات، يكذبون أمام أبنائهم بكل بساطة، بل ويجعلون أبناءهم شركاء في الكذبة نفسها. فيرن الهاتف، فيقول الأب لابنه: “قل له إنني لست في البيت”. وتطرق الجارة الباب، فتقول الأم لابنتها: “قولي لها إنني نائمة”. وهكذا يتلقى الطفل أولى دروس الكذب، قبل أن يتعلم قواعد النحو أو جدول الضرب، فينشأ مقتنعاً، بأن الكذب مهارة اجتماعية وليس عيباً أخلاقياً.

الكذاب لا يكذب عفوياً… بل يخطط

من أخطر أنواع الكذب ذلك الذي لا يولد صدفة، وإنما يُصنع بعناية، ويُخطط له، كما تُخطط المشاريع.

هناك أشخاص يعدونك بأمور يعلمون يقيناً أنهم لن ينفذوها، لكنهم يحتاجون إليك في تلك اللحظة. يحتاجون إلى صوتك، أو دعمك، أو خدمتك، أو صبرك، أو حتى إلى سكوتك.

ولكي يضمنوا عدم انكشافهم سريعاً، يتركون دائماً باباً للهروب.

يقول لك أحدهم:

“المسؤولة في سفر”
“الأمر ليس بيدي.”
“ينتظر توقيع فلان.”
“القرار عند اللجنة.”
“الملف عند المسؤول.”
“انتظر قليلاً فقط.”

وبهذه الطريقة يربطك بأمل مؤجل، ويستغلك لأطول فترة ممكنة.

وحين تقترب ساعة الحقيقة، يفاجئك بأن المسؤول غادر منصبه، أو أن اللجنة تغيرت، أو أن القانون تبدل، أو أن الظروف لم تعد تسمح، وكأن القدر كله، تآمر لإفشال الوعد.

إنها ليست مجرد كذبة، بل عملية نصب نفسية، هدفها شراء الوقت واستغلال الآخرين بأقل تكلفة.

لماذا يكذبون؟

لأن الحقيقة تحتاج إلى شجاعة، بينما الكذب يحتاج فقط إلى لسان يجيد التمثيل.

الكذاب يخشى أن يقول لك:
“لا أستطيع.”

فيقول:
“غداً.”

ويخشى أن يقول:
“لا أريد.”

فيقول:
“سأحاول.”

ويخشى أن يعترف:
“لن أفعل.”

فيغرقك في المواعيد والوعود والتبريرات حتى تنسى أصل القضية.

إنه يفضل أن يجرحك بالكذب مرات عديدة، على أن يصدمك بالحقيقة مرة واحدة.

الكذاب يحتقر ذكاء الآخرين

من أغرب ما يميز الكذاب المزمن، أنه يعتقد أن الجميع أقل ذكاءً منه.

يتصور أن الناس يصدقون كل رواياته، بينما الحقيقة، أن كثيرين يكتشفون كذبه منذ اللحظة الأولى، لكنهم يختارون الصمت احتراماً لأنفسهم، أو لأن مواجهة الكذاب لا تغير من طبعه شيئاً.

والكذاب ينسى أن ذاكرة الآخرين أقوى من ذاكرته.

ينسى ما قاله بالأمس.

ويناقض نفسه اليوم.

ثم يطلب منك أن تصدق الرواية الجديدة، وكأنك فقدت ذاكرتك.

الكذب يقتل الثقة

قد يخسر الإنسان مالاً ثم يعوضه.

وقد يخسر وظيفة ثم يجد غيرها.

لكن حين يخسر ثقة الناس، فإنه يخسر رأس ماله الحقيقي.

فالكلمة الصادقة، تبني جسوراً تستمر سنوات، بينما الكذبة الواحدة، قد تهدم تاريخاً كاملاً من العلاقات.

ولهذا قال الحكماء، إن الكذاب لا يحتاج إلى ذاكرة قوية فقط، بل يحتاج إلى آلاف الأكاذيب الجديدة، لحماية الكذبة الأولى.

الانتهازيون والوصوليون

غالباً ما يكون الكذب رفيقاً للانتهازية.

فالانتهازي لا يعد لأنه قادر، بل لأنه يريد الوصول.

يبتسم في وجهك، وهو يفكر فيما سيجنيه منك.

يمدحك ما دمت مفيداً له.

ويختفي عندما تنتهي مصلحته.

ويعتبر الوعود مجرد أدوات للاستعمال المؤقت، لا عهوداً يجب الوفاء بها.

هؤلاء لا يبنون علاقات إنسانية، بل يصنعون شبكات من المصالح المؤقتة، ولهذا تراهم ينتقلون ،من ضحية إلى أخرى، كلما افتضح أمرهم.

لكن… ما يزال الخير موجوداً

ورغم انتشار هذه الظاهرة، ما تزال هناك فئة قليلة، تستحق كل الاحترام والتقدير.

أناس لا يعدون إلا بما يستطيعون تنفيذه.

إذا قال أحدهم “نعم”، كانت نعمه التزاماً.

وإذا قال “لا”، كانت “لا” صادقة، لكنها محترمة.

لا يبيعون الأوهام، ولا يختبئون خلف الأعذار، ولا يستغلون ثقة الناس لتحقيق مصالحهم.

قد يخسرون فرصاً كثيرة، لأنهم يرفضون الكذب، لكنهم يربحون ما هو أعظم: احترام أنفسهم وثقة الآخرين.

بين الصراحة والكذب

قد تكون الحقيقة أحياناً قاسية، لكنها تبقى أرحم من كذبة جميلة تنتهي بخيبة مؤلمة.

إن المجتمع الذي يتسامح مع الكذب في البيت، وفي المدرسة، وفي الإدارة، وفي السياسة، وفي التجارة، وفي كل العلاقات الإنسانية، لا ينبغي أن يتفاجأ عندما تصبح الثقة عملة نادرة، وعندما يتحول الشك إلى القاعدة، والصدق إلى الاستثناء.

ولعل السؤال الذي ينبغي أن يطرحه كل واحد منا ليس: لماذا يكذب الناس؟ بل: كيف أصبح الكذب عند البعض أسهل من قول الحقيقة، حتى بدا وكأنه عادة يومية يمارسونها أكثر مما يتنفسون؟

فالصدق قد يكون مكلفاً في لحظته، لكنه يمنح صاحبه راحة الضمير واحترام الناس. أما الكذب، فمهما بدا نافعاً في البداية، فإنه يحمل في داخله بذور سقوطه، لأن الحقيقة قد تتأخر، لكنها نادراً ما تضيع، والكذاب، قد ينجح في خداع الناس مرة أو مرتين، لكنه لا يستطيع أن يخدعهم إلى الأبد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.