
م-ص
في هذا الزمن الذي يمرّ سريعًا، فوق وجوهنا، ويترك في أعماقنا ما لا يُرى، تغيّر معنى الليل.. لم يعد مجرّد فسحةٍ للراحة، بل صار مرآةً كبيرة، نقف أمامها وحدنا، بلا أقنعة، بلا ضجيج، بلا ادّعاء.
نسهر.. لا لأن النوم استعصى علينا فقط، بل لأن في داخلنا شيئًا، يرفض أن يُغلق عينيه. كأن القلب، حين يهدأ كل شيء من حوله، يستيقظ فجأة ليُحصي خساراته، ويُعيد ترتيب الذكريات كما يُرتّب إنسانٌ متعبٌ غرفةً قديمةً امتلأت بالغبار.
نُطفئ الأنوار، لكن داخلنا يشتعل.
نُسكت الهواتف، لكن الأصوات لا تسكت.
نمدّ أجسادنا فوق الفراش، لكن أرواحنا، تبقى جالسةً في زاويةٍ بعيدة، تُحدّق في الفراغ، وتُفكّر…
كيف وصلنا إلى هنا؟
في البداية، كان الحزن طارئًا.. يزورنا خلسة، فنقاومه، نُلهي أنفسنا، نهرب إلى الضحك، إلى الناس، إلى التفاصيل الصغيرة. لكن شيئًا فشيئًا، ومع تكرار الخيبات، ومع تعب المحاولات، بدأنا نُخفّف الحراسة… تركنا الباب مواربًا، فدخل الحزن بهدوء، وجلس.
لم يكن صاخبًا، ولا عنيفًا… كان هادئًا على نحوٍ مُخيف.
يُحدّثنا بصوتٍ خافت: “لا تتعب… أنا هنا، لا أطلب منك شيئًا”.
فصدّقناه.
ومع الوقت، صار السهر طقسًا.. كوب قهوةٍ بارد، شاشة مضيئة، ونفسٌ طويل من الذكريات. نُعيد نفس المشاهد، نُفتّش في تفاصيلها، كأننا نبحث عن خطأٍ ما يُمكن إصلاحه، أو لحظةٍ كان يمكن أن تُغيّر كل شيء.
نُحبّ السهر لأن الليل لا يُحاسبنا.
لا يسألنا لماذا تأخّرنا في النضج، ولا لماذا خسرنا، ولا لماذا لم نكن كما أردنا.
الليل يتّسع لنا.. بكل ضعفنا.
أما الحزن… فقد أصبح مألوفًا.
لم يعد يُخيفنا كما في السابق، بل صار يشبهنا.
نرتاح إليه، لأننا لا نحتاج أمامه إلى تمثيل القوة، ولا إلى تزيين الحقيقة. معه، نكون كما نحن: متعبين، مُنهكين، لكن صادقين.
هناك لحظات، في عمق الليل، نشعر فيها بشيء يشبه الطمأنينة… طمأنينة غريبة، ليست فرحًا، لكنها أيضًا ليست ألمًا خالصًا. كأننا نتقبّل أنفسنا أخيرًا، بكل ما فيها من شقوق.
لكن، في مكانٍ ما داخل هذا السكون، تبقى شرارة صغيرة… خافتة، لكنها عنيدة.
شرارة تقول، إننا لم نُخلق لنبقى أسرى هذا الليل إلى الأبد.
وأن الحزن، مهما طال مقامه، ليس سوى عابرٍ ثقيل، لا أكثر.
ربما نحن لا نحب السهر حقًا…
بل نحب تلك اللحظة النادرة التي نشعر فيها، أننا نفهم أنفسنا.
وربما لا نستأنس بالحزن…
بل نستأنس بفكرة أننا، رغم كل شيء، ما زلنا نشعر… ولم نتحوّل إلى حجارة.




