الإعلانات الظاهرة على هذه المنصة تُعرض تلقائياً عبر خدمة Google AdSense، وهي الممول الإعلاني الوحيد لمنصتنا الإلكترونية، ولا تعبّر بالضرورة عن توجهاتنا أو مواقفنا

مجتمع

حين يصبح الهاتف شاهدًا على عزلة الإنسان

م-ص

لم يعد الهاتف مجرد وسيلة تواصل، بل تحوّل بهدوء إلى رفيق دائم للإنسان المعاصر، يرافقه في المقاهي، ووسائل النقل وغرف الانتظار، بل وحتى في لحظات الصمت الطويلة داخل البيوت. غير أن هذا الرفيق الرقمي، الذي صُمّم في الأصل لتقريب المسافات، صار في كثير من الأحيان، شاهدًا على مسافة أعمق: مسافة العزلة الإنسانية.

نرى الناس مجتمعين في المكان ذاته، لكن كل واحد منهم غارق في شاشته الصغيرة، كأنهم في جزر منفصلة، لا يربط بينها سوى الواي فاي. الحديث لم يعد يُقال بصوت مسموع، بل يُكتب، والمشاعر، لم تعد تُقرأ في العيون، بل تُختصر في رموز صغيرة مبتسمة أو دامعة. هكذا صار التواصل، أسهل من أي وقت مضى، لكنه في الوقت نفسه، أكثر برودة وأقل دفئًا.

الهاتف يحتفظ بأسرار صاحبه، دون أن ينطق بها. يعرف عدد الرسائل التي لم تُجب، وعدد الأسماء، التي تُفتح محادثاتها فقط لإعادة قراءة كلام قديم. يعرف كيف نرسل “صباح الخير” للجميع، بينما لا يجد أحد وقتًا ليسأل بصدق: كيف حال قلبك اليوم؟ إنه سجلّ يومي للعزلة الحديثة، مكتوب بلغة الإشعارات والتنبيهات.

في الماضي، كانت الوحدة تُقاس بعدد الوجوه الغائبة، أما اليوم، فهي تُقاس بعدد الرسائل التي لا تأتي. الإنسان المعاصر لا يجلس وحده، لكنه يشعر بالوحدة، وسط الزحام الرقمي، محاطًا بأصوات كثيرة، لا تسمعه، وبوجوه كثيرة لا تراه. لقد كبر عدد المعارف، لكن صغر عدد الذين يفهمون.

اللافت أن الهاتف، لم يصنع هذه العزلة من فراغ، بل كشفها فقط. كشف هشاشة العلاقات، وسرعة الاستغناء، وسهولة الاستبدال. صار اللقاء مؤجلًا لأن المكالمة تكفي، وصارت المكالمة مختصرة، لأن الرسالة أسهل، وصارت الرسالة، أحيانًا مجرد علامة “تمّت المشاهدة” بلا رد.

وحين يأتي الليل، ويتراجع ضجيج النهار، يبقى الهاتف مضاءً كنافذة صغيرة، على عالم مزدحم لا يمنح الطمأنينة. يتصفح الإنسان، صوره القديمة ليقنع نفسه، أنه كان يومًا أقل وحدة، ويقرأ محادثات منتهية، ليؤجل اعترافه، بأن بعض الغياب لا يعوّضه اتصال.

هكذا أصبح الهاتف شاهدًا صامتًا على عزلة لا يُصرّح بها، وعلى احتياج لا يُقال، وعلى عالم يتكلم كثيرًا، لكنه يسمع قليلًا. وربما لا تكمن المشكلة في التكنولوجيا ذاتها، بل في الطريقة التي جعلتنا نكتفي بالوصول السريع، وننسى معنى القرب الحقيقي.

حين يصبح الهاتف شاهدًا على عزلة الإنسان، نفهم أن الحاجة، ليست إلى شبكة أقوى، بل إلى قلوب أقرب، وأن الرسالة الأهم، ليست تلك التي تصل فورًا، بل تلك التي تُقال وجهًا لوجه، بصوت دافئ، واهتمام لا يحتاج إلى إشعار.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.