حين يصبح الواتساب مكبر صوت للحياة الخاصة

ضربة قلم
من حسنات تطبيق الواتساب، التي لا يختلف حولها اثنان، أنه كسر احتكار التكلفة: لا رصيد يُستنزف، لا عدّاد دقائق يلهث، فقط واي فاي أو بطاقة تعبئة متواضعة، وصوتك يصبح حرًا طليقًا، كطائر بلا قفص.
وهنا تبدأ المشكلة.
لأن الحرية التقنية، حين تقع في يد من لا يؤمن بحدودها، تتحول بسرعة إلى فوضى سمعية متنقلة. فجأة، يصبح الهاتف مكبر صوت للحياة الخاصة، ويُفرض على العقلاء – دون استئذان – أن يشاركوا في تفاصيل لا تعنيهم، في القطار، في الحافلة، في سيارة الأجرة، في المقهى، في قاعة الانتظار، في السوق، وحتى في الشارع العام، حيث لا شيء محميّ سوى الأعصاب… وهي أصلًا في وضع هش.
من “مواطن عادي” إلى “أسد افتراضي”
بضغطة زر، يتحول كل تافه إلى أسد.
ليس أسد غابة طبعًا، بل أسد واتسابي:
صوت مرتفع، نبرة آمرة، عضلات لفظية منفوخة بالهواء، عيون تخرج من محاجرها (ولو صوتيًا)، وكلمات من عيار “قُلْت ليك” و“أنا ما كنلعبش” و“راه عارف شكون أنا”.
الطرف الآخر؟ غالبًا لا نراه، لكننا نُجبر على سماعه. حوارات مشحونة، نزاعات عائلية، صراعات مهنية، مساومات سوقية، تهديدات فارغة، ونوبات استعراض لا تقل عبثًا عن مصارعة الظل.
كل هذا لأن الواتساب مجاني، ولأن المجانية – عند البعض- تعني غياب أي واجب أخلاقي.
الخصوصية… الضحية الأولى
في السابق، كان الإنسان يضطر للبحث عن كابينة هاتف، أو على الأقل زاوية هادئة.
اليوم؟ الخصوصية تُسحق تحت أقدام “المايكروفون المفتوح”.
تسمع أسرار بيوت، مشاكل زوجية، توبيخات، شتائم، وحتى دموعًا محبوسة بين الجُمل.
لا لأنك فضولي، بل لأنك رهينة المكان: مقعد في القطار، طاولة في مقهى، كرسي بلاستيكي في قاعة انتظار.
وهنا المفارقة المؤلمة:
الذي يصرخ أكثر هو غالبًا الأكثر هشاشة.
الصوت العالي، ليس دليل قوة، بل محاولة يائسة لإقناع النفس قبل الآخرين.
الضجيج كتعويض نفسي
علم النفس الاجتماعي، يهمس بما لا يقوله أصحاب الأصوات المرتفعة:
الاستعراض الصوتي هو تعويض عن فراغ داخلي، عن شعور بعدم الاعتراف، عن حياة لا يسمعها أحد… فيُجبر الجميع على السماع.
الهاتف يصبح منصة، والواي فاي جمهورًا، والشارع مسرحًا.
لا يهم المحتوى، المهم أن يُقال بصوت عالٍ، أن يُلاحظ، أن يُفرض.
وهكذا، يتحول الفضاء العام إلى غرفة دردشة قسرية، بلا خيار “كتم الصوت”.
أين الخلل؟
الخلل ليس في التطبيق.
الخلل في ثقافة لا تميّز بين الحق في التعبير وواجب الاحترام.
الواتساب أداة، مثل السكين:
يمكن أن تُقطّع بها خبزًا… أو تُلوّح بها في وجه الجميع.
المشكلة ليست في الحداثة، بل في غياب التربية الرقمية، في عدم فهم أن الفضاء العام، ليس امتدادًا لغرفة الجلوس.
خاتمة: نداء صغير… بصوت منخفض
لسنا ضد الواتساب، ولا ضد الكلام، ولا حتى ضد الفضفضة.
نحن فقط مع فكرة بسيطة جدًا:
خفّض الصوت… العالم ليس محادثتك الخاصة.
لأن الصمت، أحيانًا، أرقى من ألف رسالة صوتية.
ولأن الأسد الحقيقي… لا يحتاج إلى واي فاي ليُثبت نفسه.




