حين يصبح مقر الإدارة شاهدا على اليأس.. ماذا وقع داخل عمالة المحمدية؟

ضربة قلم
ليست أخطر الحوادث تلك التي تقع في الشوارع أو الأزقة، وإنما تلك التي تهز أروقة الإدارات العمومية، لأن وقوعها داخل مؤسسة يفترض أنها فضاء للحوار والإنصاف، يبعث برسائل مقلقة حول طبيعة المناخ الإداري والاجتماعي السائد.
ومؤخرا، اهتز محيط عمالة المحمدية على وقع حادث مؤلم، بعدما أقدم عون سلطة برتبة شيخ، وفق ما يتم تداوله، على محاولة إضرام النار في جسده داخل بناية العمالة، احتجاجا على ما اعتبره، ظلما إداريا وإجراء تأديبيا تعرض له. ولولا التدخل السريع لأحد أفراد القوات المساعدة، الذي تمكن من إخماد النيران في اللحظات الأولى، لكانت الحصيلة ربما أكثر مأساوية.
بعيدا عن تفاصيل الملف الإداري، التي يبقى الفصل فيها من اختصاص الجهات المختصة، فإن الحادث يطرح أسئلة ثقيلة لا ينبغي تجاهلها.
كيف يصل موظف أو عون سلطة إلى مرحلة يرى فيها، أن الاحتجاج بجسده هو الوسيلة الأخيرة لإيصال صوته؟
وأين تنتهي حدود السلطة الإدارية، وأين تبدأ مسؤولية الإنصات والحوار، واحتواء الأزمات قبل انفجارها؟
إن محاولة الانتحار، ليست مجرد خبر عابر، بل هي مؤشر على وجود أزمة، تستحق الوقوف عندها بكل مسؤولية. فالإنسان لا يقدم عادة على تعريض نفسه لهذا المصير إلا عندما يشعر، بحق أو بغير حق، بأنه فقد كل أبواب الإنصاف.
وهنا، يصبح من المشروع، أن يطالب الرأي العام بفتح تحقيق إداري وقانوني شفاف، ليس فقط في ظروف الواقعة، ولكن أيضا في الأسباب التي دفعت صاحبها إلى الوصول إلى هذه المرحلة الخطيرة.
وإذا كانت الإدارة تمتلك حق مساءلة موظفيها، واتخاذ الإجراءات القانونية، في حق من يثبت إخلاله بواجباته، فإنها في المقابل مطالبة أيضا بضمان حق الدفاع، واحترام المساطر القانونية، وتهيئة مناخ يسمح بالتظلم والاستماع، قبل أن تتحول الملفات الإدارية إلى مآس إنسانية.
إن هذه الواقعة، بصرف النظر عن مآلاتها، ينبغي أن تدق ناقوس الخطر بشأن الصحة النفسية للعاملين بالإدارة الترابية، وحول طبيعة العلاقة بين المسؤول ومرؤوسيه، ومدى حضور ثقافة الحوار داخل بعض المؤسسات.
كما أن الحادث يعيد إلى الواجهة، سؤالا ظل يتردد بين عدد من المتابعين للشأن المحلي بالمحمدية: هل يتم تدبير الخلافات الإدارية بمنطق التواصل والإقناع، أم بمنطق القرارات ،التي قد يشعر أصحابها، بأنها لا تترك لهم مجالا للدفاع عن أنفسهم؟
إن الجواب الحقيقي عن هذه الأسئلة، لا يكون عبر الإشاعات أو المواقف المسبقة، وإنما عبر تحقيق جدي، يحدد الوقائع والمسؤوليات، ويكشف للرأي العام حقيقة ما وقع.
فالمؤسسات لا تقوى بالصمت، وإنما بالشفافية. والإدارة القوية ليست تلك التي لا تُنتقد، بل تلك التي تواجه الانتقادات بالحقيقة، وتراجع أداءها ،كلما استدعت الضرورة ذلك.
ويبقى الأمل معقودا على أن تتعامل الجهات المختصة، مع هذه الواقعة، بما تستحقه من جدية ومسؤولية، بعيدا عن أي انشغالات أخرى، قد تصرف الاهتمام عن معالجة الإشكالات الحقيقية داخل الإدارة. فالحفاظ على كرامة الأشخاص وصون هيبة المؤسسات، يقتضيان الوقوف عند مثل هذه الأحداث بكل شفافية، والكشف عن ملابساتها، والبحث في أسبابها وظروفها، والعمل على استخلاص الدروس الكفيلة، بمنع تكرار مشاهد مؤلمة كهذه، داخل فضاءات، يفترض أن تكون عنوانا للإنصاف والحوار، لا مسرحا لليأس والاحتجاج بالجسد.





https://shorturl.fm/vD4sW