حين يصف هشام أيت مانة جماعته بالأغبياء… اعتراف بالواقع أم إهانة جماعية؟

ضربة قلم
أثار التصريح الذي أدلى به هشام أيت مانة، خلال لقاء وُصف بـ”التواصلي”، موجة واسعة من الجدل، بعدما قال إن “الجماعة لا يدخلها إلا أحمق أو من له مصلحة”.
عبارة قصيرة في كلماتها، لكنها ثقيلة في دلالاتها، لأنها لا تنتقد ممارسة أو سلوكاً، بل تمسّ بشكل مباشر صورة مؤسسة يفترض أنها تمثل فضاءً للمشاركة والتدبير المحلي. التصريح، بصيغته الحادة والمطلقة، يفتح الباب أمام قراءتين لا ثالث لهما تقريباً:
إما أننا أمام اعتراف صريح بطبيعة الممارسة داخل الجماعة، كما يراها صاحب الكلام، وإما أننا بصدد سقطة تواصلية، تعكس ضعفاً في إدارة الخطاب العمومي، وربما محاولة دغدغة مشاعر الغضب الشعبي، دون تحمل تبعات المعنى.
أولاً: هل هو اعتراف؟ إذا أخذنا العبارة على ظاهرها، فهي ليست مجرد انتقاد لسلوك معين، أو لشخص بعينه، بل توصيف شامل لمن يلج العمل الجماعي: “أحمق أو صاحب مصلحة”. هذا، إن صحّ، يعني اعترافاً ضمنياً بأن الجماعة – كمؤسسة – لا تُغري إلا من يبحث عن منفعة أو لا يقدّر حجم المسؤولية.
وهنا يطرح السؤال الثقيل: إذا كان هذا التقييم صحيحاً، من داخل التجربة، فلماذا الاستمرار فيها؟ وإذا كانت المؤسسة بهذا السوء، فأين كانت محاولات الإصلاح؟
الاعتراف، إن كان كذلك، لا يمكن أن يمرّ دون مساءلة سياسية وأخلاقية. لأن من يتحدث من داخل الموقع، لا يمكنه أن يكتفي بوصف الداء، دون أن يتحمل جزءاً من مسؤوليته.
ثانياً: أم أنها أزمة تواصل؟ الاحتمال الثاني أن يكون التصريح نتيجة انفعال، أو ضعف في تقدير أثر الكلمات. اللقاءات “التواصلية” ليست فضاءات للارتجال غير المحسوب، بل لحظات يُفترض أن تُدار فيها الرسائل بدقة. فالكلمة في الفضاء العام، ليست حديث مقهى، بل موقف يُبنى عليه تصور الناس للمؤسسة ولأصحابها.
هنا يمكن القول، إننا أمام غياب للاستفادة من أبجديات التواصل السياسي: تجنب التعميم. التفريق بين النقد والإهانة. ضبط اللغة حتى في لحظات الصراحة. لأن الصراحة لا تعني إطلاق أحكام قيمية شاملة، بل تعني الوضوح في تشخيص الخلل.
ثالثاً: أم أنها محاولة “للضحك على الذقون”؟ هناك قراءة أكثر حدة ترى أن مثل هذه التصريحات تُستعمل أحياناً، لكسب ودّ الرأي العام، عبر خطاب صادم يبدو “شجاعاً”، لكنه في العمق لا يقدّم بديلاً ولا حلولاً. أي أن المسؤول ينتقد المنظومة وهو جزء منها، فيظهر بمظهر المنتقد الداخلي، دون أن يترجم ذلك إلى تغيير فعلي.
وهنا يتحول الخطاب إلى ما يشبه الشعبوية الخفيفة: إرضاء الغاضبين بكلمات قوية، دون مراجعة حقيقية للممارسة.
الخلاصة سواء اعتُبر التصريح اعترافاً، أو زلة تواصلية، أو مناورة خطابية، فهو يكشف خللاً أعمق: أزمة ثقة بين المواطن والمؤسسة الجماعية. الكلمات القاسية، قد تُشبع لحظة انفعال، لكنها لا تبني مؤسسة. والنقد، إذا لم يُقرن بإصلاح، يتحول إلى ضجيج.
أما حديث هشام أيت مانة عن “نفض يده من الجماعة” وانتهاء مصلحته داخلها، فلا يمكن فصله عن سياقه السياسي المحتمل. فالتصريح، وإن بدا في ظاهره انسحابًا مبدئيًا، قد يُقرأ أيضًا باعتباره تمهيدًا لإعادة تموقع جديد، خاصة مع ترجيح انتقال البوصلة نحو البحث، عن مقعد برلماني بالدار البيضاء، بعد أن تبيّن استحالة العودة إلى المحمدية.
وهنا لا يعود الكلام مجرد توصيف لحالة داخل جماعة، بل يتحول إلى خطاب، يُمهّد للخروج السياسي منها، بأقل كلفة ممكنة، عبر تحميل المؤسسة، صورتها القاتمة بدل تحمّل مسؤولية التجربة كاملة.
السؤال الحقيقي إذن ليس ماذا قيل، بل لماذا قيل الآن، وماذا بعد الذي قيل؟
هل نحن أمام مراجعة فعلية لطريقة التدبير والمسؤولية؟
أم أمام خطاب يُستعمل للتبرؤ من الحصيلة وتلميع الخروج السياسي؟
هنا يتحدد الفرق بين الاعتراف المسؤول، والانفعال العابر، والخطاب الذي يستهلكه الفيسبوك ويطويه النسيان.




