حين يصمت القلب وتبقى الأسطورة: وداعًا يا أحمد فرس

ضربة قلم
رحل أحمد فرس، وبه رحلت صفحة ناصعة من تاريخ كرة القدم المغربية، صفحة كُتبت بعرق الموهبة، وبدمعة الوفاء، وبحروف من ذهب لا تمحوها الأيام ولا تسقطها الذاكرة، وإن ضعفت ذاكرة الزمن.
لم يكن أحمد فرس مجرد لاعب حمل القميص الوطني؛ كان روحًا تسري في عروق الكرة المغربية، صورة نادرة لنجم اختار التواضع بدل الأضواء، والإخلاص بدل التنقلات، والحب بدل الحسابات. وُلد في المحمدية، وعاش فيها، وتألق فيها، واعتزل فيها، وكأنه أراد أن يقول لنا جميعًا: من يحب مدينته لا يخذلها.
كان بإمكان فرس أن يحترف في الخارج، أن يجني الأموال الطائلة، أن يتنقل بين أندية أوروبا ويختم مشواره في قاعات المزادات والتكريمات الباذخة. لكنه لم يفعل. ظل حيث انطلقت قدمه لأول مرة، مع شباب المحمدية، حتى آخر لمسة، وآخر عرق، وآخر تصفيق صادق من جماهير أحبته قبل أن تعرف معنى “السوشيال ميديا” و”الترند”.
هو من جيل صنع المجد في زمن الشقاء، وحقق الحلم في زمن كان الحذاء الرياضي سلعة نادرة، وكان السفر إلى الخارج حلمًا معقدًا، وكان تسجيل هدف في منافسة قارية يحتاج إلى أكثر من موهبة: إلى إيمان حقيقي بأن الوطن يستحق.
في كأس إفريقيا 1976، لم يكن فقط قائدا داخل الملعب، بل كان قدوة خارجه. رفع الكأس بيدين متعبتين، ولكنهما صافحتا المجد. يومها بكى المغاربة من الفرح، واحتفلوا بلا حساب، لأنهم رأوا في تلك الكأس رمزا للوحدة، والعزة، والانتماء. وكان أحمد فرس، بكل تواضعه وصمته، عنوان ذلك الانتصار.
أما عن جائزة أفضل لاعب إفريقي سنة 1975، فلم تكن منحة أو صدقة رياضية، بل كانت تتويجًا مستحقًا لرجل تربع على عرش القارة بموهبته، وتفوق على منافسيه بخلقٍ عالٍ وسلوك رياضي نادر. كان أول مغربي ينال هذا الشرف، ولم يكن الأخير، لكنه بقي، إلى يومنا هذا، نموذجًا نادرًا للوفاء والتفوق الصامت.
في مونديال 1970 بالمكسيك، كتب اسمه ضمن الرعيل الأول الذي أدخل المغرب إلى الخريطة العالمية لكرة القدم. ظل يحرص على أن يبقى دائمًا أولًا في فتح الأبواب، وكسر الجدران، ورفع العلم.
لكن الزمن كعادته لا يرحم الأبطال، ولا يسأل عن صحتهم حين ينطفئ وهج المدرجات. مرّت السنوات، وخفتت الأضواء، وجلس أحمد فرس بعيدًا عن الضجيج، في ركن لا تراه الكاميرات. صارع المرض في صمت، كما صارع المدافعين في الملاعب، دون شكوى أو استسلام. قاوم حتى النهاية، حتى سكت القلب الكبير، ورحلت الروح الهادئة، وعمّ الحزن وطنًا يعرف قيمة رجاله وإن تأخر في قولها.
اليوم، لا نرثي لاعبًا فقط، بل نودّع رمزًا، جزءًا من ذاكرتنا الجماعية، رجلا لم يقل الكثير لكنه فعل الكثير. نم قرير العين يا أحمد، فقد أوفيت، ورفعت الرأس، وعلّمت أجيالًا أن المجد لا يحتاج إلى بهرجة، بل إلى نبل.
رحمك الله يا أسطورة الكرة المغربية، وجعل مثواك الجنة، وألهم ذويك ومحبيك الصبر والسلوان. لقد فقدتك المحمدية، وفقدك الوطن، ولكن التاريخ لا يفقد أمثالك. ستبقى خالدًا، ليس في أرشيف الرياضة فحسب، بل في قلب كل مغربي أحب كرة القدم بفضل أقدامك النظيفة، وروحك الشريفة.




