الإعلانات الظاهرة على هذه المنصة تُعرض تلقائياً عبر خدمة Google AdSense، وهي الممول الإعلاني الوحيد لمنصتنا الإلكترونية، ولا تعبّر بالضرورة عن توجهاتنا أو مواقفنا

مجتمع

حين يصيح الجبل: كفى من الوطن الانتقائي!

ضربة قلم

في المغرب، هناك وطنان: وطن في الصورة، ووطن في الظل. وطن تنشغل به التقارير الرسمية والندوات الدولية، تصفق له الشعارات وتباركه الاستراتيجيات، ثم وطن آخر يعلو صوته حين يصمت الجميع، وطن اسمه “المغرب غير النافع”؛ ليس لأنه بلا فائدة، بل لأن من بيدهم القرار لم يعثروا بعد على مصلحة مباشرة فيه.

واقع المغرب غير النافع، أو ما يمكن تسميته بـ”الهامش العميق”، ليس مجرد حالة طارئة أو مرحلة ظرفية، بل نتيجة تراكمية لسياسات عمومية فصلت بين الجغرافيا والمواطنة، وجعلت من العيش في الجبل، مثلا، فعلاً بطولياً محفوفاً بالتهميش. وعندما خرجت ساكنة أيت بوكماز في مسيرة احتجاجية غير مسبوقة نحو عمالة أزيلال، لم يكن ذلك تعبيراً عن نزق لحظي أو غضب موسمي، بل عن قهر تاريخي يتحدث أخيراً بلسان جماعي واضح: “كفى من الانتظار”.

الهامش لا يطلب امتيازات. لا يبحث عن الريع ولا يطمح إلى المغانم. جلّ ما يريده هو الحق في أن يُرى، أن يُحسب ضمن “المغاربة”، أن تكون أحلامه الصغيرة – في مدرسة حقيقية، ومستشفى لا يفتك، وطريق لا تنهار أول المطر – جزءاً من جدول أعمال الدولة. لكن ماذا تفعل الدولة حين تكون الجغرافيا عبئاً، لا رقماً انتخابياً مربحاً ولا ريعاً اقتصادياً جاهزاً؟ ببساطة: تتجاهل.

لذلك، حين يقول الائتلاف المدني من أجل الجبل إن “الجبل لا يحتاج عطفاً، بل إنصافاً”، فإنه يصرخ في وجه من حولوا التنمية إلى صدقة، والمواطنة إلى مكرُمة تُمنح في المناسبات. فالمغرب غير النافع هو ذلك الفضاء الممتد من أيت بوكماز إلى جبال الريف، ومن دواوير أزيلال إلى تلال بولمان، حيث لا تصل العدالة المجالية، ولا تكترث الدولة إلا بما يمكن أن يحرك العائدات، أو يشحن الانتخابات.

هناك من يتحدث عن “تعدد السرعات” في المغرب، وعن “التفاوتات المجالية”، بل وعن “الدولة الاجتماعية”. كل هذا يبدو وجيهاً على الورق، لكن حين تمشي في طرقات الجبل المتآكلة، أو تسأل عن طبيب أطفال في دائرة إدارية على علو 1500 متر، تدرك أن المصطلحات قد تكون فخاً لغوياً أنيقاً يخفي بؤساً فعلياً. الحقيقة؟ سكان المغرب غير النافع لم يعودوا يطلبون التنمية، بل يطالبون بأن يتم الاعتراف بوجودهم ككائنات دستورية.

والمفارقة أن هذا الهامش، ورغم حرمانه، هو الذي يحرس موارد البلاد. من الجبال تأتي المياه، ومن الوديان تُزرع الخضروات، ومن الغابات تُقطع الأشجار التي تغذي الأفران في المدن. الهامش لا يعيش فقط، بل يُطعم، ويصبر، ويصوت أيضاً. لكنه في النهاية، لا يُكافأ إلا بالتجاهل.

إن الحديث عن العدالة المجالية في المغرب دون الحديث عن أيت بوكماز ومن يشبهها، كمن يتحدث عن العدالة المناخية من داخل مكاتب مكيفة. والمثير للانتباه أن المغرب وقع على التزامات دولية بخصوص تنمية المناطق الجبلية في إطار الخطة الأممية 2023-2027، لكن هذه الالتزامات تبقى، كما العادة، وعوداً بلا ميزانية، أو خطابات بلا خريطة طريق. فمن دون إرادة سياسية حقيقية، ستظل الالتزامات حبراً على ورق، وستظل الجبال ترتجف من العزلة لا من البرد.

المطالب التي رفعتها ساكنة أيت بوكماز لا تحتاج لا إلى لجان تفكير ولا إلى زيارات بروتوكولية. كل ما في الأمر أن القرى تريد مدرسة تحترم التلميذ، ومستوصفاً يحترم المريض، وطريقاً لا تقطعها السيول في كل شتاء. في الدول الحقيقية، هذه المطالب تُنجز بقرارات بسيطة. أما عندنا، فتُؤجل بحجج معقدة، ثم تُحال إلى تقارير، ثم تُدفن في رفوف الوزارة.

ما يجري في الهامش المغربي هو اختبار حقيقي لما يسمى النموذج التنموي الجديد. فإما أن يكون شاملاً، ينطلق من الأطراف نحو المركز، ويستمع إلى صوت الجبل قبل أن يرسم الخرائط، وإما أن يكون مجرد نسخة محدثة من سياسات سابقة، تغير العناوين وتُعيد إنتاج الإقصاء نفسه.

المغرب غير النافع ليس وهماً. هو مرآة حقيقية تكشف حدود المشروع الوطني حين يُبنى من الأعلى فقط. ولهذا فإن الاحتجاجات السلمية في أيت بوكماز ليست نشازاً، بل تذكيراً بأن الصمت لم يعد صالحاً للاستهلاك. الجبل تكلم، ومن لا يسمعه الآن، سيسمع صداه يوماً، في هيئة نزوح جماعي، أو عزوف انتخابي، أو انكسار وطني أكبر.

وفي انتظار أن تصحو الدولة من سبات “المركزية المفرطة”، سيبقى الهامش المغربي يناضل بكرامة. لأن حب الوطن لا يعني أبداً القبول بالذل، بل الإصرار على أن تكون جزءاً منه… عن حق.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.