حين يصير الحبُ صفقةً والطرب إعلانًا… هل ما زلنا نُحب نحن وحدنا؟

ضربة قلم
حين نحب، نحب كما تحب الأرضُ المطر بعد غياب.
لا نضع شروطًا، لا نحمل دفترًا لتقييم الأداء، ولا نُطالب بعقود مكتوبة بخط اليد. نحب كما يُلقى الطفل في حضن أمّه دون أن يسأل: “هل تستحقينني؟” نحب لأن في القلب فسحة لا تملأها المعايير، ولا مقاييس الرواج، ولا حتى الأعراف. الحب عندنا حالة من العمى الجميل، من السُّكر النقي، من الطيش النبيل الذي لا يحتاج إلى دليل ولا إشهاد. نحب لأننا لا نعرف كيف لا نُحب، ببساطة.
لكنهن لا يفعلن.
هؤلاء المغنيات – أو بالأحرى، نجمات الصوت الصناعي – لا يعرفن الحب إلا إذا كان مُذَهَّبًا. لا يقعن في العشق إلا إذا كان العاشق ناطقًا باليخوت والعطور والساعات السويسرية.
هُنّ لا يسمعن نبض القلب، يسمعن فقط صدى الشهرة.
لا يهم من يكون، المهم أن يكون “ماركة”.
يتزوجن كما تُبرَم الصفقات: على طاولة أنيقة، بكؤوس مرتبة، بضحكات تُدرّب في المرآة.
هل سألته إن كان يكسب رزقه بالحلال؟
من يهتم؟
طالما أن اسمه يظهر في خانة البحث، وطالما أنه يستطيع أن يحجز لهن رحلة في طائرة خاصة دون أن يَسأل كم التكلفة، فإن التفاصيل الباقية – مثل الأخلاق، والإيمان، والنية، والتاريخ- تصبح من نوع الأسئلة التي تُزعج.
هنَّ لسن عاشقات، هن عارضات للعاطفة.
تُحب الواحدة منهن كما تُجرب فستانًا: إن ناسب المقاس، تُبقيه، وإن ضاق أو لم يُثر إعجاب المتابعين، تُعيده إلى الرف.
الحب؟
الحب عندهن مشهد، خلفه كاميرا، وأمامه جمهور.
ولذلك، حين تُحب إحداهن، لا تبكي من أجل الحبيب، بل من أجل تفاعل الجمهور مع دمعتها.
وحين تُطلق، لا تنهار كما تنهار المرأة الحقيقية، بل تُصدر بيانًا عبر محاميها.
الطلاق ليس نهاية علاقة، بل نهاية موسم، تُتبعه بإعلان: قريبًا… قصة جديدة.
هؤلاء لا يَغِبنَ عن الساحة لأن قلوبهن انكسرت، بل لأن مدير أعمالهن نصحهن ببعض الغياب كي “يشتاق إليهن السوق”.
لا يدخلن المطبخ ليُعدّن وجبة لحبيب جائع، بل ليصوّرن إعلانًا لماركة زيت زيتون.
لا يُغنين لأن الوجع اختنق في صدورهن، بل لأن توقيت الإصدار يناسب الخوارزميات.
هل نتحدث عن الطرب؟
الطرب لم يعد موجودًا إلا في التسجيلات القديمة، في أصوات مخنوقة بالغبار على أقراص الفينيل. الطرب، ذلك الذي كان يجعل الدمع يسيل من زاوية العين دون استئذان، صار شيئًا يشبه الشبح: الكل يدعي رؤيته، ولا أحد يحتفظ بأثر له.
صوت اليوم مشدود بالخيوط، ومُعدّل بالفلاتر، ومُلبّس بالحيل الرقمية، لا مكان فيه للزفرة ولا للاهتزاز النابع من الجوف.
وهكذا، يتكرر المشهد:
نجمة شابة تتزوج من رجل أعمال لم نسمع به، ثم تُطلق، ثم تُطلق أغنية، ثم تُطلق حملة أزياء، ثم تُطلق إشاعة…
كل شيء عندهن قابل للإطلاق، حتى الكرامة.
أما نحن، يا صاحبي، فما زلنا نُحب كما يُحب السكارى الذين لا يملكون ثمن كأس إضافية، لكنهم يحتفلون بالسكر كأنهم ملوك.
نُحب امرأة تضع رأسها على كتفنا دون مكياج، دون عدسات، دون جمهور.
نُحب رجلًا يعود من العمل مُنهكًا، لكنّه يُحضّر القهوة بيده لأنه يحب، لا لأنه يريد أن يُصور نفسه.
نُحب بلا أجندات، بلا شراكات، بلا نوايا تسويقية.
نحن، حين نخسر، نبكي.
لكننا لا نبيع دموعنا.
ولا نقول للحب: “انتظر حتى يكتمل المشهد”.
نحن نعرف الخسارة، ونعرف الحنين، ونعرف كيف نلملم الشوق بأطراف الأصابع.
نُحب كما تُكتب القصيدة على منديل في المقهى.
نُحب حتى لو أكلنا الخذلان، حتى لو صار الحبيب غريبًا، حتى لو تبيّن أن الحلال لم يكن سوى وهم.
وهُنّ؟
هُنّ ما زلن يجهّزن فساتين الزفاف الثانية، ويجرّبن تطبيقات فلاتر الصوت، ويغنين كلمات لم يكتبوها، بل كتبها رجل في مكتب، ليبيع لهن حبًّا بالكيلو.
ولا عزاء للطرب.
ولا عزاء للقلوب





https://shorturl.fm/7SkBW