الإعلانات الظاهرة على هذه المنصة تُعرض تلقائياً عبر خدمة Google AdSense، وهي الممول الإعلاني الوحيد لمنصتنا الإلكترونية، ولا تعبّر بالضرورة عن توجهاتنا أو مواقفنا

مجتمعسياسة

حين يعود الغائبون.. ويُكرَّم المواطن مؤقتًا: موسم الوعود وشعار “اللي صعابت، تسهال”

ضربة قلم

تبدو الأجواء، على بعد أشهر قليلة من الاستحقاقات القادمة، وكأنها مسرحية كلاسيكية، يعاد عرضها كل دورة انتخابية، مع تغيّر بسيط في الوجوه، وبقاء النصّ نفسه تقريبًا، بل وحتى الارتجال يبدو محفوظًا عن ظهر قلب لدى “النجوم” القدامى الذين يعودون فجأة إلى الأضواء، بعد غياب طال لدرجة أن بعض الناخبين، لا يتذكرون حتى إن كانوا قد التقوا بهم يومًا أم لا.

فبين ليلة وضحاها، يتحول المواطن من “رقم انتخابي” إلى “مواطن معزز مكرّم”، تُفتح له الأبواب التي كانت موصدة، وتُصغى لشكواه التي كانت تُحال سابقًا على “غدٍ غير معلوم”، وتُستعاد ابتسامته، التي لم تُرَ منذ آخر حملة انتخابية. فجأة، يصبح الجميع منشغلًا به: من يسأل عن حاله، من يستفسر عن حاجياته، ومن يَعِده بما لم يخطر على باله، حتى في أكثر أحلامه تفاؤلًا.

أما المرشح، ذاك الذي كان غائبًا في “إجازة طويلة” دامت سنوات، فقد يعود إلى المشهد بلياقة لافتة، كأن الزمن لم يمر عليه، وكأن الغياب، كان مجرد استراحة محارب. يتحول في ظرف وجيز من شخص شبه منسي، إلى فاعل حاضر في كل مكان، يزور الأسواق، يحضر الأعراس، يشارك في الجنائز، يبتسم للأطفال، ويصافح الكبار، وكأنه كان يعيش بينهم طوال الوقت ولم ينقطع عنهم لحظة واحدة. هي عودة تُشبه إلى حد بعيد “الظهور المفاجئ” لشخصية درامية في الحلقة الأخيرة، بعد أن ظن الجميع أنها خرجت نهائيًا من القصة.

وتتكرر العبارات نفسها، بنغمة مفعمة بالثقة المفرطة: “هذه المرة مختلفة”، “لقد تعلمنا من الأخطاء”، “سنكون عند حسن ظنكم”، بينما الذاكرة الجماعية للمواطن، تبتسم ابتسامة خفيفة، كمن سمع هذه الجمل مرارًا حتى حفظ إيقاعها، أكثر من مضمونها. ومع ذلك، تبقى اللعبة قائمة، لأن لكل موسم لغته الخاصة، ولكل مرحلة وعودها التي تُصاغ بعناية، لتناسب حرارة اللحظة.

وفي خضم هذا الحراك، يظهر شعار غير مكتوب لكنه متداول ضمنيًا: “اللي صعابت، تسهال”. عبارة تختزل فلسفة كاملة في التعامل مع الزمن السياسي؛ فالمستحيل يصبح ممكنًا، والمعقد يُحلّ بسرعة، والعوائق التي كانت تُقدَّم كـ“قوة قاهرة” تتحول فجأة إلى تفاصيل بسيطة، قابلة للتجاوز بكبسة تواصلية أو ابتسامة محسوبة. مشاريع كانت مؤجلة لسنوات تُستحضر فجأة، وملفات ظلت راكدة، تُفتح على عجل، وكأنها كانت تنتظر فقط، اقتراب موعد الاقتراع لتُبعث من سباتها.

المفارقة أن هذا الزخم، رغم ما يثيره من ابتسامات ساخرة، يظل يتكرر بنفس الوتيرة تقريبًا، مما يجعل المواطن بين متفرج واعٍ ومشارك صامت. فهو يدرك غالبًا قواعد اللعبة، لكنه في الوقت نفسه يتعامل معها بواقعية، لأن المشهد السياسي، كما يبدو، لا يتغير كثيرًا من حيث الأسلوب، بل يتجدد فقط في التفاصيل.

وهكذا، بين وعود تُقال بحماس، ووعود تُنسى بهدوء بعد انتهاء الموسم، يبقى المواطن هو العنصر الثابت في المعادلة، بينما تتغير الأدوار، وتُعاد كتابة السيناريوهات وفق توقيت انتخابي دقيق. ومع كل دورة جديدة، يعود نفس السؤال بصيغة مختلفة قليلًا: هل نحن أمام تحول حقيقي، أم مجرد إعادة إنتاج لمشهد مألوف، يتجدد شكله، بينما يظل مضمونه كما هو؟

في النهاية، قد لا يحتاج المواطن إلى كثير من الخطابات بقدر ما يحتاج إلى استمرارية في الحضور والالتزام، بعيدًا عن منطق “الظهور الموسمي”. أما إلى ذلك الحين، فالموسم الانتخابي يظل، كعادته، مساحة واسعة للوعود، ومسرحًا مفتوحًا لإحياء الذاكرة… ولو مؤقتًا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.