سياسة

حين يغضب الحزب من الحرية: حسن نجمي يُحرّك جثمانًا لا يريد أن يُدفن

ضربة قلم

يبدو أن الشاعر والقيادي السابق حسن نجمي، وهو يتحاور بهدوء وصراحة على قناة “ميدي 1 تي في”، قد ارتكب خطيئة لا تغتفر في نظر حزب الاتحاد الاشتراكي: أنه تجرأ على الحديث. نعم، تحدّث. بل وتمادى في التعبير بلغة لم تعهدها جريدة الحزب: لم يشتم، لم يشهر، لم يشكك في وطنية أحد، فقط عبّر عن رأيه. ومع ذلك، تحوّلت افتتاحية الجريدة إلى محكمة تفتيش، استلّت من رفوفها عباءة الشرعية وميزان التاريخ، وصرير الأقلام الحمراء، لتجلده بتهم “الهجومية” و”الرغبة الدفينة في التشويه”.

يا سبحان الله! متى صار الحوار صاعقًا؟ ومتى تحولت ملاحظات رجل شارك في مؤتمرات الحزب وكتب جزءًا من بيانه الأدبي والسياسي، إلى مؤامرة موسمية؟ وهل أصبح كل من يغادر “سفينة الحزب” طفيليًا لا يحق له أن يشير إلى ثقوب الخشب أو تشققات الشراع؟

قال نجمي إن “الحزب جثمان لم يُدفن بعد”، وهو قول أقرب إلى قصيدة منه إلى بيان سياسي، لكنه جرح غائر في جسد التنظيم لا يريد البعض الاعتراف بوجوده، ويفضل إنكاره بلغة الحنين والبطولات الغابرة. أما حين يتحدث عن “غرباء عن المشروع”، فإنه يقصد ذلك الكائن الهجين الذي يتحدث باسم الحزب بلغة لا تشبهه، ولا تشبه حتى كتابات صفوفه الخلفية.

ومن قال إن الغريب هو من يغادر؟ أليس الغريب الحقيقي هو من يسكن البيت لكنه يغيّر أثاثه، أبوابه، ألوانه، وشهادات ميلاده؟ أليس الغريب هو من يرفع شعار “الاستقلالية”، ثم يزغرد طويلاً للانضباط الموسمي؟

اللافت حقًا أن الحزب، أو بالأحرى أداة التعبير عنه، اختار الرد على تصريح شفوي صادر عن رجل غادره منذ زمن، بحماس مماثل لذلك الذي كان يرد به في السبعينيات على بيانات وزارة الداخلية. وكأن النقد صار مؤامرة، والاختلاف تشويشًا، والمغادرة خيانة.

إن ما يقتل الحزب ليس نجمي، بل الإصرار على أن النقد لا يُسمح به إلا من الداخل، وأن من يغادر القاعة لا يحق له فتح فمه، حتى وإن كان يعرف كل مفاتيحها السرية.

الحرية ليست منحة تُمنح للمنشقين… الحرية أن تقول رأيك حتى إذا صار الحزب مرآة تعكس صورة رئيسه فقط. وأن تنتقد المشروع الذي أحببته، لأنه لم يعد يشبهك، ولأنك لم تعد تجد نفسك فيه، لا كشاعر، ولا كمناضل، ولا كمواطن… حر.

حين يقول نجمي، الذي شارك في معارك الحزب وناضل في ظله، إن “الاتحاد الاشتراكي انتهى فعليًا” وأنه “جثمان لم يُدفن بعد”، فإن ذلك ليس هجومًا عشوائيًا، بل صرخة من داخل البيت نفسه، دعوة للصحوة، وتذكير بأن حرية التعبير روح أي مشروع ناضل من أجل الديمقراطية.

لكن ردّ جريدة الاتحاد الاشتراكي – التي صارت أشبه بآلة “نفي الحياة” – كان كاللكمة على وجه الحقيقة. وصفت كلام نجمي بـ”الهجومية” و”محاولة التشويش”، متجاهلة أن النقد الصريح هو صمام الأمان لأي تنظيم يريد البقاء حيًا، لا مجرد جسد بلا روح.

واللافت أن الجريدة التي كانت لسان حال الحزب صارت اليوم كتابًا مغلقًا على رفوف المكتبات، لا تُفتح إلا حين يشتد الجدل أو يُثار الخلاف، كأنها رسالة من زمنٍ مضى، لم تعد تهم القارئ الحاضر الباحث عن صوت حي لا صدى باهت.

وهنا يكمن الدرس الأبلغ: الحزب الذي يقمع النقد ويصف الناقدين بالخيانة أو “التشويش الرمزي” ليس سوى قبر للحوار ومشرحة للأفكار الجديدة. فالنقد، لا سيما من داخل الصفوف، دليل حيوية التنظيم ووعيه الذاتي، وليس مؤشرًا على نهايته. من يعارض ويخالف لا يعني أنه خارج، بل يعني حرصه على بقاء البيت نظيفًا، وألا تتحول “ماكينة الحزب” إلى طابعة مملة تُعيد نفس النسخ القديمة.

الحرية ليست ترفًا، بل ضرورة، وهي التي تجعلنا نرتقي فوق “الانتماءات” الضيقة لنرى الصورة كاملة، ونعترف بأن “90 في المائة من المناضلين الحقيقيين خارج الحزب” ليست مجرد إحصائية، بل شهادة على تحدٍّ عميق يستوجب إصلاحًا حقيقيًا، لا ردودًا نارية تسعى لإسكات الأصوات.

إذا أراد الاتحاد الاشتراكي أن يعيش ويمضي قدمًا، فعليه أن يفتح نافذة للنقد، وأن يُسمح لمن غادروا “السفينة” بالحديث، ليس ليتهموا، بل ليحذروا وينبهوا. وإلا فلتعلم قيادته أن الجثمان الذي لم يُدفن لن يتوقف عن الصراخ، والسكوت عنه لن يغيّر الحقيقة.

وفي النهاية، ما أروع أن يبقى الاتحاد الاشتراكي حيًا في أذهان مناضليه الحقيقيين، لا مجرد اسم يتردّد في صفحات جريدة تنطق باسم الحزب لكنها أحيانًا تنطق ضد حرية التفكير. الحزب العظيم لا يُقاس ببياناته الرنانة أو دفاعه المستميت عن نفسه، بل بقدرته على احتضان نقد أبنائه، والاعتراف بأن العيب في البناء لا يُصلح بالصمت أو الإقصاء، بل بالحوار الصريح والاعتراف بالواقع.

فإذا كان جثمان الحزب لم يُدفن بعد، فلتكن صرخات الناقدين فيه وقودًا يوقظه، لا حجراً يُرمى على من يجرؤ على التعبير. ومن يظن أن إسكات الأصوات دليل قوة، فليعلم أن أقوى الأحزاب هي التي تبتسم للنقد، وتحتضن الحرية، لأن في حرية التعبير تكمن حياة الحزب الحقيقية التي لا يمحوها سوى صمت الموت.


مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.