الإعلانات الظاهرة على هذه المنصة تُعرض تلقائياً عبر خدمة Google AdSense، وهي الممول الإعلاني الوحيد لمنصتنا الإلكترونية، ولا تعبّر بالضرورة عن توجهاتنا أو مواقفنا

فن وثقافة

حين يغني الوجع… تبكي الإنسانية بلا قناع

ضربة قلم

يحدث في أحايين كثيرة أن نتابع بعض البرامج الأمريكية أو الأوروبية التي تحتضن مواهب غنائية من مختلف الأعمار، فنرى الطفل الصغير يخطو بثقة نحو الميكروفون، كما نرى الرجل الكهل الذي شابت لحيته، لكنه لم ييأس بعد من حلم قديم راوده منذ الصبا. في هذه اللحظات، لا يتعلق الأمر فقط بالغناء أو الأداء أو التقنية، بل هناك شيء أعمق بكثير يحدث أمام أعيننا، شيء أقرب إلى الطهر الإنساني، إلى البوح، إلى المصالحة مع الذات.

غير ما مرة، نشاهد كيف ينفجر المسرح دموعًا وتعاطفًا، لا بسبب علوّ الصوت أو براعة العزف، بل لأن المرشح اختار أن يغني جراحه، أن يحوّل معاناته الشخصية إلى لحن، إلى نداء مفتوح يلامس القلوب دون وساطة. ترى الجمهور ينتقل من الإصغاء إلى الذوبان في لحظة الوجع، ويخنق الحضورَ الصمتُ قبل أن يخترقه تصفيق يشبه البكاء. والكاميرا لا تخون اللحظة، تلتقط دمعة عضو لجنة ما، أو انقباضة وجه أحدهم، أو ذلك الارتباك الإنساني النبيل الذي يحدث حين تُفاجأ روحك بعاطفة جارفة من شخص لا تعرفه، لكنه استطاع أن يعري جزءًا منك دون أن يقصد.

ما يلفت في هذه اللجان أنهم لا يشبهون الكثير من لجاننا العربية. أول ما يُلاحَظ فيهم هو غياب الغرور. لا يستعرضون ثقافتهم ولا يُشعرون المشارك بأنه دونهم، لا يلبسون الأقنعة ولا يخيفون المتسابق بعُقدهم أو بماضيهم، بل تجد فيهم نوعًا من الطيبة الشفافة. هم، رغم شهرتهم ومكانتهم، لا ينسون البدايات. تلمح ذلك في طريقة استماعهم، في نظراتهم المتأثرة، في انفعالهم الصادق مع كل قصة تُروى، وكل كلمة تُغنى. وهم لا يتكلفون الحديث ولا يتصنعون الكلمات. يقولون ما يشعرون به فعلًا، لا ما يُنتظر منهم قوله. تراهم يؤمنون بقدسية الكلمة، بالكلمة الصادقة التي تُقال بتواضع، تلك التي لا تحتاج إلى تنميق، بل إلى قلب حي.

وفي لحظة من هذه اللحظات، تدرك أن هؤلاء الناس لا يحتفون بالصوت فقط، بل يحتفون بالإنسان، يعترفون له بحقه في التعبير، في الحلم، في الغناء من أجل البوح لا من أجل الفوز فقط. وهذا بالضبط ما ينقصنا كثيرًا في عالمنا العربي؛ ذلك الإيمان بأن الفن ليس ساحة تنافس صلبة يحكمها الكبرياء أو الخوف من التعاطف، بل فضاء يُفتَرض أن يسكنه الطهر، والصدق، والاحتضان. نحن، في كثير من نسخنا، نُسقط الفن من عليائه حين نُدخله إلى دوائر التصنّع، ونخنق فيه البساطة، ونجرّده من إنسانيته العذبة.

الإنسان في الغرب، رغم الماكينة الإعلامية الجبارة والضجيج المحيط، لا يزال يملك هذه القدرة الغريبة على التفاعل الإنساني الفوري. لا يخجل من البكاء، ولا من الاعتراف بأنه تأثر، ولا من القول إنه شعر بما قاله المشارك وكأنه يخصه هو. في حين، نجد الكثير من لجاننا العربية يتعاطون مع الفن من منطلق سلطة لا من منطلق شغف، يحاكمون لا يستمعون، يُدقّقون في الألفاظ أكثر مما يُنصتون إلى ما بين السطور.

ولهذا، حين نتابع تلك اللحظات الغربية، نحزن قليلًا على ما نفتقده، ونحسّ بمرارة الفرق، ليس فقط في جودة البرامج أو في الإمكانيات، بل في مستوى الإنصات، في حساسية التلقي، في استعداد القلب ليكون صادقًا أمام فنّ صادق. هؤلاء الناس حين يبكون، لا يبكون من فراغ، بل لأنهم يعرفون أن الفن أحيانًا هو الوسيلة الأخيرة التي نمتلكها لنُفصح عن أنفسنا، عن ماضٍ موجِع، أو حلم مؤجل، أو حب ضائع. يبكون لأنهم، ببساطة، لا يزالون بشراً.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.