الإعلانات الظاهرة على هذه المنصة تُعرض تلقائياً عبر خدمة Google AdSense، وهي الممول الإعلاني الوحيد لمنصتنا الإلكترونية، ولا تعبّر بالضرورة عن توجهاتنا أو مواقفنا

مجتمع

حين يغيب الاحترام، ويأتي النفاق بوجهٍ أنيق

م-ص

الأخطر في تحوّل مجتمعنا اليوم، أنه يبدأ بمكافأة الخطأ بدل الفضيلة، بشكل غير مباشر، وكأن القيم اختفت من معادلة النجاح. كم من شخص ارتبط اسمه بسوء التدبير، أو الشبهات، أو العبث بالمصلحة العامة، ومع ذلك يُغدَق عليه التقدير والمكافآت، ليس لأنه نزيه، بل لأنه “قوي”، قادر على الإيذاء، أو يمسك بخيوط تجعل الآخرين، يتجنبون مواجهته. في مثل هذا الواقع، لم يعد الاحترام قيمة بحد ذاته، بل صار وسيلة حماية، ودروعًا لإبقاء الذات بأمان.

وهكذا، يُرفع من لا يستحق، ليس حبًا فيه، بل لأن الاحترام يغيب، فلا يترك فراغًا محايدًا، بل يفتح الباب أمام قيم مقلوبة، يصبح فيها الزيف مهارة، والنفاق لغة، والمجاملة قناعًا ضروريًا للاستمرار. في هذا المناخ، لا تُقاس العلاقات بميزان الأخلاق، بل بميزان النفوذ، ولا يُمنح التقدير بناءً على الاستحقاق، بل على الخوف أو المنفعة.

يُحاط هذا الشخص بالمجاملات، وتُفرش له الكلمات الناعمة، ليس لأن الناس يرونه قدوة، بل لأنهم يخشون تبعات معارضته. في المقابل، يُترك كثير من أبناء الشعب، ممن يملكون الغيرة الحقيقية على المال العام والقيم، في موقع هش، لا يملكون نفوذًا يحميهم، ولا شبكة مصالح تقيهم، فيتحوّلون إلى أهداف سهلة للتشويه والسخرية، والتقليل من شأنهم.

هنا يختلّ ميزان العدالة الرمزية. بدل أن يُسائل المجتمع من يسيء، يبدأ في مهاجمة من يحتجّ. بدل أن يُحاسَب المتجاوز، يُتَّهَم الغيور بالمبالغة، أو بالتشويش، أو بالحقد، أو بعدم “فهم قواعد اللعبة”. وكأن الدفاع عن النزاهة صار سذاجة، بينما التكيّف مع الفساد صار ذكاءً اجتماعيًا.

في هذا السياق، لا يعود الظلم مقتصرًا على الفعل، بل يشمل ردّة الفعل الجماعية عليه. حين يُصوَّر المعتدي في ثوب المحترم، ويُصوَّر المتضرر في ثوب المزعج، نكون أمام انقلاب أخلاقي كامل. يصبح من الطبيعي، أن يُحاصَر الضحية بالكلام الجارح، والإشاعات، واللمز، ليس لأنها أخطأت، بل لأنها تجرأت على عدم الصمت.

مع مرور الوقت، تتكوّن ثقافة خفية تشجّع على الصمت وتُعاقب على الجرأة. ثقافة تقول للناس دون أن تنطق:

“كن هادئًا، لا تُكثر من الأسئلة، لا ترفع صوتك، فالصوت العالي لا يحميك، بل يجلب لك المتاعب.”

وهكذا، يتحوّل الخوف إلى منظّم غير معلن للعلاقات، ويتحوّل النفاق إلى لغة مشتركة يفهمها الجميع ويمارسها الجميع، حتى من يرفضونها في قرارة أنفسهم.

في مثل هذا المناخ، تصبح الحقيقة عبئًا، والوضوح مخاطرة، والنزاهة تهمة غير مكتوبة. ليس لأن المجتمع يكره القيم، بل لأنه تعب من كلفة الدفاع عنها. الدفاع عن الحق يحتاج إلى سند، وحين يغيب السند، يفضّل كثيرون السلامة على الصدق، والسكوت على المواجهة.

ومع ذلك، لا يمكن لهذا الانقلاب أن يصنع استقرارًا حقيقيًا. الاحترام الزائف لا يبني ثقة، والمجاملة القائمة على الخوف لا تُنتج علاقات صحية. هي علاقات متوترة من الداخل، تبدو هادئة من الخارج، لكنها قابلة للانفجار عند أول تغيّر في موازين القوة.

وأخطر ما في هذا المشهد، ليس فقط وجود من لا يستحق التقدير، بل اعتياد المجتمع على هذا الخلل، حتى يصبح طبيعيًا. حينها، لا يعود السؤال: “من يستحق الاحترام؟” بل: “من يجب أن نحترمه حتى لا يؤذينا؟” وهنا يتحوّل الاحترام من قيمة أخلاقية إلى تكتيك اجتماعي.

في النهاية، حين يغيب الاحترام الحقيقي، لا يخسر الضعفاء وحدهم، بل يخسر الجميع. يخسر المجتمع بوصلته، وتخسر العلاقات معناها، ويخسر الإنسان قدرته على أن يكون صادقًا دون خوف.

وحده الاحترام المبني على الاستحقاق، لا الهيبة، وعلى الأخلاق، لا المصالح، هو القادر على إعادة التوازن، ولو ببطء، في زمن صار فيه النفاق أكثر أمانًا من الصدق.

ولعل السخرية الكبرى، هي أن هذا النفاق أصبح يُدرّس على أنه فن اجتماعي راقٍ، ودرع ذكي للحياة الحديثة… بينما الحقيقة، كما هي دائمًا، تقف في الزاوية تبتسم بسخرية هادئة، تنتظر من يجرؤ أخيرًا على قولها بصوت مرتفع.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.