الإعلانات الظاهرة على هذه المنصة تُعرض تلقائياً عبر خدمة Google AdSense، وهي الممول الإعلاني الوحيد لمنصتنا الإلكترونية، ولا تعبّر بالضرورة عن توجهاتنا أو مواقفنا

مجتمع

حين يفرح أقرب الناس بسقوطك: زمن الخيانة الصامتة

محمد صابر

اليوم لم ننشر حدثًا يثير الضجيج، ولم نضع بين أيديكم قضايا تُلهب فضول القرّاء وتفتح شهيتهم كما تُفتح شهية جائع أمام كسرة خبز في ليلة شتوية باردة. لم ننشر لأننا أردنا أن نصغي إلى الصمت، إلى الحزن العميق الذي يسكن تفاصيل حياتنا، إلى التحولات الخفية التي لا تُرى في عناوين الصحف ولكنها تلتهم أرواحنا من الداخل.

الحياة في المغرب لم تعد كما كانت، هذا ليس مجرد انطباع عابر ولا شكوى لحظية؛ بل هو وجع متجذر. الشوارع التي كانت تضج بالضحك تحولت إلى مسرح للصمت الثقيل، الوجوه التي كانت تضيء بلقاء عابر صارت عابسة، كأنها تُخفي خلفها خيبات أكبر من أن تُقال.

الصديق لم يعد كما كان، صار مرآة مشروخة لا تعكس صورتك بقدر ما تفضح هشاشتَك. الصداقة اليوم تشبه عقدًا من الملح، يذوب عند أول موجة خلاف أو عند أول اختبار مادي. لم نعد نجد ذلك الصديق الذي كان يقاسمنا الخبز والدمعة، صار الكثيرون مجرد عابرين في حياتنا، يتربصون ليتأكدوا من سقوطنا، ثم يبتسمون بخبث وكأنهم وجدوا دليلًا على “عبقريتهم” في الحكم علينا.

أما الشقيق، الأخ، الدم الذي كنا نظن أنه لا يخون، فقد صار في بعض الأحيان ألدّ غريب. ما أصعب أن تكتشف أنّ دفء الأخوّة صار صقيعًا، وأن أقرب الناس إليك يفرح لدوامة مشاكلك، كأن مشهد سقوطك يمنحه طمأنينة غامضة أو انتصارًا صغيرًا على هواجسه. ما أقسى أن تكتشف أن من كنت تستند إليهم صاروا هم أول من يفرش لك الأشواك على الطريق.

الحياة تغيّرت، أو ربما نحن من تغيّرنا. صرنا نحمل على أكتافنا من الخيبات ما يكفي لهدم مدينة بأكملها، ونجرّ خلفنا خيوطًا من الذكريات التي لم تعد صافية. صار الحب مشروطًا، والودّ نادرًا، والصدق عملة مفقودة. في زمن مضى، كانت القلوب تتسع للجميع، أما اليوم، فهي تضيق حتى عن أصحابها.

أصبحنا نعيش وسط متاهة من الوجوه المبتسمة ظاهريًا، بينما خلفها تتوارى خناجر مسنونة، تنتظر فقط لحظة ضعف واحدة لتغرس نفسها في أعماقنا. أصبحنا نعرف أن “القرابة” و”الصحبة” لم تعُد ضمانًا، بل ربما تحولت أحيانًا إلى نقمة، إلى قيد يشدّنا نحو الأسفل بدل أن يرفعنا نحو الأعلى.

يا لهذا الزمن الذي يجعلنا نحتار: هل نلوم أنفسنا لأننا وثقنا أكثر مما يجب؟ أم نلوم هذا العالم الذي صار يُكافئ الخيانة ويُعاقب البراءة؟

اليوم لم ننشر حدثًا، لأن الحدث الحقيقي هو نحن: نحن الذين نتفتت ببطء، نحن الذين نصحو كل صباح ونرتدي قناعًا لنخفي ما تكسّر في داخلنا. نحن الذين نتظاهر بالقوة بينما تنخرنا الوحدة. نحن الذين نُدرك أن أقرب الناس قد يتحول إلى أبعدهم، وأنّ أقسى ما في هذه الحياة ليس غدر العدو، بل خذلان الأخ، وخيانة الصديق، وبرود الدم الذي كنا نظن أنه يغلي حبًّا ونخوة.

الحياة لم تعد كما كانت… بل ربما لم تكن يومًا كما ظننا. لقد كنا نحلم فقط، واليوم استفقنا من الحلم لنجد أن كل شيء هشّ، كل شيء قابل للانكسار، حتى الروابط التي أقسمنا أنها أبدية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.