الإعلانات الظاهرة على هذه المنصة تُعرض تلقائياً عبر خدمة Google AdSense، وهي الممول الإعلاني الوحيد لمنصتنا الإلكترونية، ولا تعبّر بالضرورة عن توجهاتنا أو مواقفنا

فن وثقافة

حين يقرأ القارئ النص: مرآة الروح على صفحة الورق

م-ص

نحن، وأنت، وكل من يمر بعينيه على هذه الكلمات، لسنا سوى مرايا صغيرة متقابلة، تعكس بعضها البعض، وتضاعف صورة واحدة إلى ما لا نهاية. فينا القليل من الفرح، والكثير من الحيرة، وفي الزوايا البعيدة تختبئ أشواق لا اسم لها.

حين تقرأ، لست أنت وحدك من يطل على النص، بل النص أيضًا يطل عليك، يراك كما أنت، عاريًا من الأقنعة التي ترتديها كل صباح. يراك متعبًا في صمتك، أو متوهجًا في حلمك المؤجل، أو غارقًا في بحرٍ داخلي لا يعرفه سواك. إن الكلمة ليست سوى ماء، والماء لا يحفظ شكله إلا في الأوعية التي تحتويه.

الكاتب ليس سوى يدٍ تُلقي بالكلمات على الورق، أما أنت فالقلب الذي يمنحها الحياة. هو يرسم خطوطًا أولى باهتة، بينما عيناك هما من تلوّنها، وذاكرتك هي من تملأ فراغاتها. كل جملة كتبتها يده، تعيد أنت كتابتها في داخلك بطريقة أخرى، بما تحمله من وجعك أو فرحك، من ماضيك أو أحلامك المؤجلة. ولعل أجمل ما في الأدب أن الكاتب يظن أنه يكتب عن نفسه، بينما في الحقيقة يكتب عنك، وعن كل قارئ يمر بالكلمات كأنه يمر أمام مرآة لا تعكس صورة المؤلف، بل تعكس صورته هو وحده.

نكتب لأننا نحتاج أن نرى أنفسنا في نص آخر، لأننا نخاف من العتمة، ولأن المرآة حين تكون في الورق، ترد لنا صورة لا تشيخ. نكتب لأن داخل كل إنسان قصيدة نائمة، تنتظر فقط من يوقظها بنغمة واحدة، أو بجرس كلمة تلمس الوتر الصحيح.

القارئ إذن لا يقرأ النص، بل يقرأ نفسه. وكل كتاب ليس إلا مفتاحًا لخزانة داخلية لا تُفتح إلا حين يقرر القلب أن يستسلم. وفي هذا الاستسلام يكمن الجمال: أن تجد في عيني الحروف عينيك، أن تسمع من صوت النص صوتك أنت، أن تدرك أن الكاتب ما كان سوى شاهد عابر، وأن الحكاية الحقيقية تُروى الآن، بينك وبين ذاتك.

فلتكن هذه الكلمات مرآتك، إن شئت. إن وجدت فيها ما يشبهك، ابتسم، وإن وجدت ما يجرحك، فهو جرحك أنت، قديم لكنه ما زال ينزف على نحوٍ خفي. وإن لم تجد شيئًا، فلا بأس: أحيانًا حتى المرايا تنطفئ، وأحيانًا نحتاج أن نغمض أعيننا كي نرى بشكل أوضح.

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.