حين يقود الغضب المغاربة… الطريق يتحوّل إلى مسرح للسباب والشارع يفقد لغته الإنسانية

ضربة قلم
لم يعد الغضب في الفضاء العمومي المغربي، مجرد ردّ فعل عابر على موقف طارئ، بل صار في حالات كثيرة أسلوب حياة ولغة جاهزة تُستعمل في الشارع، وفي وسائل النقل، وفي الإدارات، وعلى الطرقات. سبٌّ سريع، شتيمة أولى، ثم سلسلة من العبارات الجارحة، التي تخرج بلا تفكير، كأن اللسان تعوّد عليها أكثر من التحية.
في المقاهي الشعبية، أمام الشبابيك الإدارية، في حركات السير، في الحمامات التقليدية، في المخابز، في الوكالات البنكية، في الأسواق، بل حتى أمام الأطفال، تُسمع كلمات لم تعد تثير الاستغراب، بقدر ما تثير القلق: كيف أصبح السباب جزءاً من المشهد اليومي؟ ولماذا صار الشارع فضاءً مفتوحاً للتفريغ اللفظي؟
الطريق… مختبر الغضب اليومي
تبدو السياقة المجال الأكثر خصوبة لانتشار هذه الثقافة. يكفي تجاوز بسيط، أو تأخر في الانطلاق عند الإشارة الضوئية، أو مناورة غير موفقة، حتى تتحوّل السيارة إلى منبر للشتم، والمقود إلى أداة تهديد، والنوافذ إلى مسرح لتبادل الإهانات.
السائق يشتم المشاة، والمشاة يشتمون السائقين، والدراجات النارية تصنع فوضاها الخاصة، وكل طرف يرى نفسه ضحية الآخر.
الطريق لم يعد فضاءً للعبور، بل ساحة توتر دائمة، كأن كل واحد يقود وهو محمّل بكل إحباطاته الاجتماعية والاقتصادية والنفسية، فيفرغها في أول شخص يعترض طريقه.
الخطير في الأمر، أن السبّ في السياقة، لا يبقى في حدوده اللفظية، بل يتحوّل أحياناً إلى:
-
مشادات كلامية
-
تهديدات
-
نزول من السيارات
-
وفي بعض الحالات: عنف جسدي
وهنا تتحوّل مخالفة مرورية بسيطة، إلى أزمة أخلاقية واجتماعية.
من أين جاءت هذه اللغة الغاضبة؟
لا يمكن فصل انتشار السبّ والشتم عن:
-
الضغط المعيشي
-
الغلاء
-
البطالة
-
الاكتظاظ الحضري
-
الإحساس بالظلم أو التهميش
الشارع المغربي اليوم يعجّ بأفراد يشعرون بأنهم:
-
غير مسموعين
-
غير منصفين
-
غير محترمين
فيحوّلون هذا الإحساس إلى عدوانية لفظية.
كما أن:
-
ضعف التربية على ضبط النفس
-
غياب ثقافة الاعتذار
-
التطبيع مع العنف اللفظي في البيوت والمدارس
كلها عوامل تجعل الطفل، يكبر وهو يرى السبّ وسيلة عادية للتعبير، لا سلوكاً معيباً.
الإعلام ومواقع التواصل… تكريس اللغة السوقية
وساهمت بعض المحتويات الرقمية في:
-
تعميم السخرية الجارحة
-
التطبيع مع الشتم
-
تحويل الإهانة إلى مادة للضحك
فأصبحت الشتيمة:
-
مقطعاً مضحكاً
-
ترنداً
-
وسيلة لجلب المشاهدات
بدل أن تكون سلوكاً يُستنكر.
وهكذا انتقلت لغة السب، من الشارع إلى الهاتف، ومن الهاتف إلى الشارع، في دائرة مغلقة.
الأطفال… الضحية الصامتة
الأخطر في هذا المشهد أن:
الأطفال يسمعون…
ويحفظون…
ويعيدون…
حين يسمع الطفل أباه يشتم في الطريق، أو أمه تصرخ في السوق، أو جارهم يسبّ أمام البيت، يتعلّم أن:
اللغة القاسية، هي الوسيلة الطبيعية لحل النزاعات.
وهكذا تتكوّن أجيال:
-
قليلة الصبر
-
سريعة الانفعال
-
ضعيفة الحوار
قوية في الشتيمة، ضعيفة في الحجة.
أين القانون؟ وأين الردع؟
القانون يجرّم السبّ والقذف والإهانة، لكن:
-
نادراً ما يُطبّق في الفضاء اليومي
-
ونادراً ما يُبلّغ عنه
-
ونادراً ما يُؤخذ بجدية
لأن المجتمع نفسه صار يعتبر السب:
“أمراً عادياً”
“تفريغاً للغضب”
“كلام شارع”
وهنا مكمن الخطر: حين يصبح السلوك المنحرف عادياً، تفقد القاعدة الأخلاقية قوتها.
من المسؤول؟
المسؤولية مشتركة:
-
الأسرة التي لا تضبط لغة البيت
-
المدرسة التي لا تعلّم ثقافة الحوار
-
الشارع الذي يطبع العنف
-
الإعلام الذي يهوّن الإهانة
-
والمؤسسات التي لا تحمي الفضاء العام، من التوحش اللفظي
ليست المشكلة في كلمة نابية عابرة، بل في:
تحوّل الشتيمة إلى هوية لغوية
نحو فضاء عام أكثر إنسانية
استرجاع الاحترام في الفضاء العمومي، لا يحتاج فقط إلى قوانين، بل إلى:
-
إعادة الاعتبار للكلمة الطيبة
-
ترسيخ ثقافة الاعتذار
-
تعليم الأطفال أن القوة في الهدوء لا في الصراخ
-
جعل الطريق فضاءً للتعايش لا للحرب اليومية
لأن المجتمعات لا تُقاس فقط بطرقها ومبانيها، بل:
بلغتها في الشارع
بنبرة صوتها في الأزمات
بأخلاقها في الاختلاف
وحين يصبح السبّ لغتنا اليومية، فهذا يعني أن هناك خللاً أعمق من زحمة السير…
خللاً في علاقتنا بأنفسنا وبالآخرين.




