
م-ص
كان سعيد رجلاً بسيطاً في مظهره، عظيماً في جوهره، من أولئك الذين لا يملكون الكثير في البداية، لكنهم يملكون شيئاً أثمن: الإرادة.
لم يولد وفي فمه ملعقة من ذهب، بل ولد وفي يده قبضة من الصبر.
بدأ حياته شاباً عادياً، كثير الأحلام، قليل الإمكانيات. لم تكن لديه شهادات عليا تفتح له الأبواب المغلقة، لكن كان لديه شيء آخر: عزيمة لا تعرف التعب. طرق أبواب عمل تقني دقيق، لا يدخله عادة إلا حاملو الشهادات، وتعلم أبجدياته حرفاً حرفاً، كما يتعلم الطفل المشي: يسقط، ثم ينهض، ثم يسقط مرة أخرى… لكنه لا يستسلم.
وكان سعيد من الرجال الذين لا ينسون الجميل.
فالرجل الذي ساعده أول مرة على دخول ذلك المجال، ظل اسمه محفوراً في قلبه، يذكره كلما تحدث عن بداياته. كان يقول دائماً:
“الإنسان لا يصعد وحده… هناك دائماً يدٌ تمتد في البداية.”
ومع مرور السنوات، صار سعيد محترفاً في عمله، يعرف خباياه الصغيرة والكبيرة. كان يسهر الليالي الطويلة، يقضي ساعات إضافية، لا يشتكي من التعب، ولا يتذمر من الإرهاق. كان يقول في قرارة نفسه، وهو يخلع حذاءه قرب الفجر:
“التعب اليوم… راحة غداً.”
كان همه الوحيد أن يرفع مدخوله قليلاً، فقط قليلاً، ليواجه تكاليف الحياة التي لا ترحم أحداً.
بيت…
أبناء…
مصاريف مدرسة…
وفواتير لا تنتهي.
ومع الوقت، رزقه الله ذرية صالحة. كبر الأبناء أمام عينيه، وكبر معهم قلبه أيضاً. وفي غفلة من الزمن، وجد نفسه جداً…
ضحك يومها وقال لإبنه المحبوب:
“بالأمس فقط كنت أركض وراء الكرة في الحي… واليوم ينادونني جدّاً!”
لكن سعيد لم يكن رجلاً يعيش لنفسه فقط.
كان بيته مفتوحاً للأصدقاء، وقلبه مفتوحاً للإخوة، وجيبه – إن وجد فيه شيء – مفتوحاً للزملاء.
إذا احتاج أحدهم مالاً، كان سعيد أول من يمد يده.
إذا تعثر صديق في عمله، كان سعيد أول من يقف بجانبه.
وإذا ضاقت الدنيا بأحد، كان بيت سعيد دائماً الملاذ.
كان يعتقد أن الطيبة، تُزرع فتثمر طيبة.
لكنه لم يكن يعلم أن بعض الأراضي لا تنبت شيئاً.
في أحد الأيام، جاءه صديق قديم من أيام العمل الأولى. رجل يعرف تفاصيل حياته تقريباً. جلس أمامه بوجه مثقل بالهموم وقال:
“يا سعيد… فرصة كبيرة ضاعت مني بسبب ضيق الوقت. مشروع تقني صغير… لكنه مربح. أحتاج فقط إلى من يثق بي.”
لم يتردد سعيد كثيراً.
باع ما كان يحتفظ به لشيخوخته، وأعطى الرجل معظم ما جمعه خلال سنوات طويلة من التعب.
قال له فقط:
“لا أريد أرباحاً كبيرة… المهم أن تقف على رجليك.”
اختفى الرجل بعد ذلك.
أيام…
ثم أسابيع…
ثم أشهر.
الهاتف مغلق.
العنوان الذي كان يعرفه سعيد لم يعد موجوداً.
والمشروع الذي تحدث عنه الرجل… لم يكن موجوداً أصلاً.
جلس سعيد تلك الليلة صامتاً.
لم يغضب.
لم يصرخ.
لم يشتم.
فقط نظر إلى يديه طويلاً.
قال بصوت خافت لإبنه:
“الغريب ليس أن الناس تخون… الغريب أن بعضهم يخونك بعد أن يأكل من خبزك.”
لم تكن الخسارة المالية هي التي آلمته.
فالرجل الذي بدأ من الصفر، يستطيع أن يبدأ من جديد.
لكن الذي كسره حقاً، هو ذلك الشرخ الصغير الذي أصاب قلبه.
صار سعيد بعدها أكثر صمتاً.
أقل كلاماً.
وأكثر حذراً.
صار عندما يسمع كلمة “صديق” يبتسم ابتسامة قصيرة فقط.
ومع ذلك… لم يتحول إلى إنسان قاسٍ.
ففي إحدى الأمسيات، جاءه شاب من الحي، يبحث عن فرصة عمل. كان يشبه سعيد في شبابه: قلق، مرتبك، يحمل أحلاماً أكبر من جيبه.
نظر إليه سعيد طويلاً…
ثم قال له بهدوء:
“تعال غداً… سأعلمك المهنة.”
ضحك إبنه لاحقاً وقال له:
“ألم تتعلم الدرس؟”
ابتسم سعيد وهو ينظر إلى حفيده الصغير يلعب في الصالون، وقال:
“تعلمت… لكني لا أريد أن أصبح مثل الذين خانوني.”
ثم أضاف بهدوء رجل يعرف الحياة جيداً:
“الخيانة تغيّر الناس…
لكن الطيبين يقاومون هذا التغيير حتى آخر العمر.”





Start earning passive income—join our affiliate network today!