الإعلانات الظاهرة على هذه المنصة تُعرض تلقائياً عبر خدمة Google AdSense، وهي الممول الإعلاني الوحيد لمنصتنا الإلكترونية، ولا تعبّر بالضرورة عن توجهاتنا أو مواقفنا

مجتمعالشأن المحلي

حين يكون رئيس الجماعة فاسدًا، ونوابه مرتزقة، والمصفقون انتهازيين، وبائعو أصواتهم بلا ضمير

ضربة قلم

في المجتمعات التي تراهن على الديمقراطية المحلية، باعتبارها أساسًا للتنمية، يفترض أن تكون الجماعة الترابية فضاءً لخدمة المواطنين، ومؤسسة لتدبير الشأن العام، بما يحقق الصالح العام. لكن الصورة تنقلب رأسًا على عقب، عندما يجد المواطن نفسه أمام واقع مختلف تمامًا: رئيس جماعة فاسد، ونواب لا يحركهم سوى منطق الغنيمة، ومحيط من المصفقين والانتهازيين الذين جعلوا من الولاء الأعمى، طريقًا إلى الامتيازات، ثم ناخبون باع بعضهم أصواتهم في لحظة قصيرة، مقابل دراهم معدودة، دون أن يدركوا، أنهم يبيعون مستقبلهم ومستقبل أبنائهم.

إن الفساد في تدبير الشأن المحلي، ليس مجرد خطأ إداري عابر، بل هو منظومة كاملة، تتشكل من حلقات مترابطة. تبدأ الحلقة الأولى غالبًا برئيس جماعة، لا يرى في المنصب مسؤولية لخدمة المواطنين، بل فرصة للنفوذ والمال وتوسيع دائرة المصالح الشخصية. ومنذ اللحظة الأولى لتوليه المنصب، يبدأ في بناء شبكة من الولاءات، بدل بناء مشاريع تنموية. فالمعيار لا يصبح الكفاءة ولا النزاهة، بل القرب من مركز القرار والقدرة على تنفيذ التعليمات دون نقاش.

وحين يتكرس هذا الواقع، يتحول بعض النواب، إلى مجرد أدوات داخل هذه المنظومة. لا يمارسون دورهم الرقابي، ولا يسائلون الرئيس حول القرارات، أو الصفقات أو المشاريع المتعثرة، بل يكتفون بالموافقة والتصفيق. وهكذا تتحول المؤسسة المنتخبة، من فضاء للنقاش والتدبير الديمقراطي إلى ما يشبه غرفة صدى، تتكرر فيها نفس العبارات ونفس المواقف، بينما تغيب الأسئلة الحقيقية حول مصالح المواطنين.

أما الحلقة الثالثة في هذه المنظومة، فهي دائرة المصفقين والانتهازيين الذين يحيطون بالرئيس. هؤلاء لا يظهرون في الوثائق الرسمية، لكن تأثيرهم في الواقع كبير. إنهم وسطاء المصالح، وصناع الإشاعات، ومروجو الصورة الوردية التي لا علاقة لها بالواقع. يبررون كل قرار، ويدافعون عن كل خطأ، ويهاجمون كل من يجرؤ على النقد. بالنسبة لهم، لا يهم إن كانت الطرق محفرة أو الخدمات متدهورة أو المشاريع متعثرة، المهم هو الاستفادة والحفاظ على القرب من مركز السلطة المحلية، بما يوفره ذلك من امتيازات صغيرة أو كبيرة.

لكن الصورة، لا تكتمل دون الحديث عن الحلقة الرابعة، وهي ربما الأكثر حساسية: بعض الناخبين الذين يبيعون أصواتهم في موسم الانتخابات. ففي كل استحقاق انتخابي، تظهر هذه الظاهرة التي تقوض أساس العملية الديمقراطية. حين يتحول الصوت الانتخابي، إلى سلعة تُباع وتشترى، تصبح النتيجة الطبيعية وصول أشخاص لا يمثلون تطلعات المواطنين، بقدر ما يمثلون مصالح ضيقة. فالمسؤول الذي يصل إلى المنصب، عبر شراء الأصوات، لن يشعر بأنه مدين للناخبين، بقدر ما سيعتبر نفسه قد “استثمر” مالًا ويريد استرجاعه بأضعاف مضاعفة.

وهكذا تدخل الجماعة الترابية في حلقة مفرغة. رئيس يسعى إلى تثبيت نفوذه، نواب يصطفون خلفه طلبًا للمصلحة، محيط من المصفقين يزين الواقع، وناخبون فقد بعضهم الثقة، في جدوى المشاركة السياسية. والنتيجة هي تراجع التنمية وتعثر المشاريع وضياع الفرص.

إن أخطر ما في هذا الوضع، ليس فقط الفساد المالي أو الإداري، بل الفساد الأخلاقي الذي يتسلل إلى الوعي الجماعي. فحين يعتاد الناس، رؤية الخطأ دون مساءلة، ويتحول التصفيق إلى ثقافة، يصبح من الصعب، إقناع الأجيال الجديدة بأن العمل العام، يمكن أن يكون شريفًا ونزيهًا.

ومع مرور الوقت، تبدأ آثار هذا الواقع، في الظهور على تفاصيل الحياة اليومية للمواطنين. طرق مهترئة، لا تجد طريقها إلى الإصلاح، مشاريع معلنة في الأوراق، لكنها لا ترى النور على أرض الواقع، خدمات عمومية، تعاني من الإهمال، وميزانيات تُصرف دون أن يشعر المواطن بثمارها. وفي كل مرة يُطرح السؤال: أين طارت الأموال؟ ولماذا لا تتغير الأوضاع؟

غير أن المسؤولية في النهاية، ليست حكرًا على شخص واحد أو مؤسسة واحدة. صحيح أن رئيس الجماعة، يتحمل النصيب الأكبر من المسؤولية بحكم موقعه، لكن إصلاح الوضع، يتطلب أيضًا يقظة المجتمع المحلي. فالمجتمع الذي يرفض الفساد ويحاسب المسؤولين ويطالب بالشفافية، قادر على تغيير المعادلة.

إن الديمقراطية المحلية لا تقوم فقط على الانتخابات، بل على ثقافة المشاركة والمساءلة. فالمواطن الذي يرفض بيع صوته، والصحفي الذي يطرح الأسئلة الصعبة، والفاعل الجمعوي الذي يراقب المشاريع، والمنتخب الذي يضع المصلحة العامة، فوق الحسابات الضيقة… كل هؤلاء يشكلون جدارًا أخلاقيًا في مواجهة الفساد.

والتاريخ مليء بالأمثلة التي تثبت أن المجتمعات، قادرة على تصحيح مسارها، حين يتوفر الوعي الجماعي. فالمناصب لا تدوم، والسلطة المحلية مهما بدت قوية تبقى مؤقتة، بينما تبقى ذاكرة الناس، حاضرة لتسجل من خدم المصلحة العامة، ومن استغلها.

في النهاية، ليست المشكلة في وجود رئيس جماعة أو مجلس منتخب، بل في الطريقة التي يُمارَس بها هذا الدور. فحين يتحول المنصب، إلى أمانة حقيقية، يصبح المجلس الجماعي أداة للتنمية. أما حين يتحول إلى وسيلة للنفوذ والمصالح الضيقة، فإنه يفقد معناه ويصبح عبئًا على المجتمع، بدل أن يكون رافعة له. وحتى سلطة الوصاية التي تنهب نهارًا جهارًا، و”كتدير علاش ترجع”، من خلال طلب نصيبها في الأموال وفي البقع الأرضية وفي بناء الفيلات وحتى في الهكتارات، سلطات إقليمية لا تشبه الملائكة، لكنها تشبه نفسها الأمارة بالسوء ضد مصلحة البلاد والعباد، تضيف عبئًا إضافيًا على المواطنين. ولهذا فإن السؤال الحقيقي الذي يجب أن يطرحه كل مجتمع على نفسه ليس فقط: من يفوز في الانتخابات؟ بل أيضًا: أي نوع من المسؤولين نريد؟ وأي نوع من المواطنين نكون؟ لأن الجماعات لا يفسدها رئيس فاسد وحده، بل تفسد حين يسكت الجميع عن الفساد.

هذه الصورة تعبيرية بالكامل، وليست صورة حقيقية لأي أشخاص. تم تصميمها لتوضيح رمزية الفساد السياسي المحلي: رئيس جماعة فاسد، نواب مرتزقة، مصفقون وانتهازيون، مع وجوه متنوعة، لتعكس فكرة المقال بصريًا دون أي إشارات لشخصيات حقيقية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.